ومما ورد في حب الله

ومما ورد في حب الله تعالى :

قال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.

وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.

وفي بعض الكتب: عبدي أنا -وحقك - لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال يحيى بن معاذ:

إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتَهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك وأنا صغير، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.

وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.


أحب الأعمال إلى الله

( أحب الأعمال إلى الله }
1 - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
2- أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله .
3 - أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله .
4 - أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم .
5- أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور ٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضيً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
6- يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل .
{ هذه الأحاديث من تخريج السيوطي وتحقيق الألباني }

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

كيف نستفيد من الانتخابات تربويًّا؟

فعندما انطلقت دعوة الإخوان منذ أكثر من ثمانين عامًا على يد مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا؛ كان من أهم ثوابتها: تبنِّيها "التربية"

مد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :

: كأداة رئيسة لإحداث التغير المنشود في الأمة تحقيقًا لقوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)

(الرعد: من الآية 11)،

والتغيير المطلوب ينبغي أن يشمل أولاً: الأفراد العاملين في بناء المشروع الإسلامي. وثانيًا: عموم المسلمين في المجتمع .

ومما يلزم التأكيد عليه أن أهداف التربية المراد تحقيقها داخل محيط الأفراد العاملين في بناء المشروع الإسلامي أكثر من المطلوب تحقيقه في عموم الناس، إلا أن القاسم المشترك بينهما أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا من خلال عمل تربوي وليس من خلال أعمال عامة كالخطابة أو الكتابة أو تقديم الخدمات.. فهذه الأعمال لا تُحدِث أثرًا دائمًا إلا إذا كانت من خلال منظومة عمل تربوية.. تأمل معي ما قاله الإمام حسن البنا مؤكدًا على هذا المعنى :

إن الخُطب والأقوال والمُكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء كل ذلك لا يُجدي وحده نفعًا، ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف؛ ولكن للدعوات وسائل لا بد من الأخذ بها والعمل لها..

والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة

- الإيمان العميق

التكوين الدقيق -

العمل المتواصل -

وحول غاية الإخوان وأهدافهم التي يسعون إلى تحقيقها في أنفسهم وفي مجتمعهم يقول- رحمه الله

إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في مظاهر حياتها( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً

وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في

تغيير العُرف العام

تربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم؛ حتى يكونوا قدوةً لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها

الصبغة التربوية

من هنا يتأكد لدينا بأنه من الضروري أن تصطبغ جميع أعمالنا بالصبغة التربوية

والمقصود بالصبغة التربوية هو أن يُساهم العمل- مهما كان نوعه- في إحداث أثر إيجابي دائم في ذات المتلقي ينتج عنه تغيير في جانب أو أكثر من جوانب شخصيته الأربعة (المعرفية- الإيمانية- النفسية- السلوكية

فالعمل الاجتماعي- على سبيل المثال- يمكنه أن يكون عملاً اجتماعيًّا محضًا يهدُف إلى تخفيف المعاناة عن الناس دون النظر لأي بُعد آخر، ويمكنه أن يكون وسيلة للتأثير الإيجابي والتغيير الدائم في ذواتهم

وكذلك العمل في أوقات الانتخابات يُمكنه أن يؤَدَّى بطريقة تهدف إلى حشد أكبر عدد من الأصوات وفقط، ويُمكنه- بالإضافة إلى ذلك- أن يكون عملاً تربويًّا يؤثر في نفس من يؤديه، ويقوم بتغييره تغييرًا إيجابيًّا ولو في جزئية صغيرة من شخصيته ليكون بعد موسم الانتخابات شخصًا أكثر فاعلية، وأن يؤثر كذلك في عموم الناس ويأخذ بأيديهم ولو قليلاً إلى أعلى في سُلَّم الالتزام الحقيقي بالإسلام

عوامل النجاح في صبغ الانتخابات بالصبغة التربوية

هناك عوامل من شأنها أن تُساهم- بإذن الله- في الاستفادة التربوية من أوقات العمل في الانتخابات، نذكر منها

أولاً: تقوية الصلة بالله عز وجل، والعمل على زيادة الإيمان الحقيقي في القلوب والذي من شأنه أن يجعل صاحبه في حالة من التوهج والإيجابية والانضباط الشرعي، ولنعلم جميعًا بأن أهم عامل من عوامل النجاح في تحقيق أهدافنا التربوية هو هذا العامل، فبقدر قوة الصلة بالله عز وجل تكون المعونة والمدد والكفاية والتأييد منه سبحانه

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) البقرة . (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196)

إن السجدة الحارَّة المصحوبة بالأنين والبكاء والتضرع لله عز وجل، هي التي تندك بها الحصون، وتهتز لها العروش بعون الله

وليس صحيحًا ما يقوله البعض أن العمل الحركي في أوقات الانتخابات ينبغي أن يهيمن على حياة الفرد، ولو أدى ذلك إلى تهاونه في أداء الصلاة بالمسجد، أو التفريط في أوراده

ولتعلم- أخي- أنه لا خير في عمل يُلهي عن الصلاة، ولعلَّك قرأت مقولة أحد السجَّانين في عصر من العصور الماضية وهو يقول: سألت كلَّ مأخوذٍ بليل: هل صليت العشاء الآخرة في جماعة؟ قال: لا.

ولو كان بذل الجهد الكبير في العمل مدعاة للتهاون في أعمال الإيمان لَما حرصت الأجيال الأولى على قيام الليل في المعارك التي كانوا يخوضونها.. تأمل معي ما جاء في خطاب سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي يُبشره فيه بفتح القادسية: "وأصيب من المسلمين رجال لا يعلمهم إلا الله، كانوا يدوون بالقرآن إذا جَنَّ عليهم الليل كدويِّ النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود

وفي فتح أفريقية يصف عبد الله بن الزبير أحوال المسلمين فيها فيقول

واستشهد الله جل جلاله رجالاً من المسلمين، فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوِيٌّ كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم، فلما أصبحنا زحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره، ففتحناها من آخر الليل .

ويكفيك- أخي الحبيب- التوجيه الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم :

فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( الشرح

أي: إذا فرغت من الدعوة فانصب للعبادة

فإن قلت: ولكن أليست الحركة وبذل الجهد في سبيل الله يزيدان الإيمان؟

نعم، شريطة أن تنطلق هذه الحركة من قلب حي يقظ متعلق بالله، فيعود أثرها عليه بمزيد من الإيمان، أما إذا انطلقت من قلب غافل لاهٍ، فإنها تؤدي بلا روح، ومِن ثَم لا يكون لها أي أثر يُذكَر في زيادة الإيمان، بل قد يكون لها آثار سلبية على البعض بسبب شعورهم بالفتور بعد انتهاء فترة الانتخابات، لذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله

( مثل الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تُضيء للناس وتحرق نفسها ) .

ولا ينبغي أن يركن المرء إلى مخزونه الإيماني، ويطمئن إليه، فمسببات نقصان الإيمان كثيرة وبخاصة في فترة الانتخابات حيث كثرة الكلام، والجدال، والاحتكاكات .

وتذكر- أخي- قوله صلى الله عليه وسلم :

"إن الإيمان يَخلق في القلوب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم

وليس معنى هذا هو التهاون في القيام بالأعمال الحركية في هذه الأوقات، بل المقصد هو التنبيه على أهمية التزود بالوقود الذي يجعلنا نستفيد من هذه الأعمال استفادة حقيقية، وقديمًا قالوا: إذا صحَّ منك العزم هُديت إلى الحيل، بمعنى أنه عندما نُدرك أهمية الصلة بالله في كل وقت وبخاصة في تلك الأوقات، ويصح عزمنا على عدم التهاون فيها؛ فسيهدينا الله عز وجل إلى كيفية التوفيق بين أورادنا وبين تلك الأعمال، ويجعلنا نحافظ على أداء الصلوات في المسجد- جماعة أولى- وعلى وِرد القرآن، وعلى قيام الليل، وعلى أذكار الأحوال، وفي الوقت ذاته نقوم بدورنا في الانتخابات خير قيام

وقال صلى الله عليه وسلم

"ومن يتحر الخير يعطه

ومن العوامل الأساسية للنجاح في الاستفادة من الانتخابات تربويًّ

اثانيًا: دوام وضوح الرؤية حول طبيعة المعركة التي نخوضها، وأنها بالأساس معركة تربوية لإقامة الإسلام الشامل في نفوسنا وفي نفوس الناس، وأن مقياس نجاحنا الحقيقي في فترة الانتخابات هو التغيير الإيجابي الذي يحدث في نفوس العاملين للإسلام، وكذلك داخل المحيط الذي نعمل فيه، وليس مقياس النجاح هو عدد الأصوات التي نحصل عليها أو المقاعد التي نفوز بها

إن دوام وضوح الرؤية حول طبيعة المعركة التي نخوضها من شأنه أن يوجه جهد الأفراد توجيهًا صحيحًا، ويضع الوسائل في مكانها الصحيح ولا يحولها إلى أهداف

ومن الضروري استخراج النصوص التي تؤكد هذا المعنى من رسائل الإمام حسن البنا، وأن يتم تذكير الأفراد بها بصورة مستمرة حتى تظل البوصلة موجهة للمكان الصحيح ألا وهو "التغيير من خلال التربية"، وأن يتم تطويع جميع الوسائل لخدمة هذا الأمر.. ومن أهم الرسائل التي تحدثت بوضوح عن هذه المسألة رسالة "هل نحن قوم عمليون؟" وخاصة في نصفها الأول، والتي بيَّنت بما لا يدع مجالاً للشك- أن التربية هي أداة التغيير المنشود، وأيضًا بداية رسالة "المؤتمر الخامس" التي أوضحت تطور الفكرة في ذهن الإمام حتى ألهمه الله هذا الطريق- طريق الرسل وأصحاب الدعوات- تأمل قوله رحمه الله: وقفت نفسي منذ نشأت على غاية واحدة هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة .-

ظلت هذه الخواطر حديثًا نفسانيًّا، ومناجاة روحية أتحدث بها في نفسي لنفسي، وقد أُفضي بها إلى كثير ممن حولي، وقد تظهر في شكل دعوة فردية، أو خطابة وعظية، أو دروس في المساجد إذا سنحت فرصة التدريس، أو حديث لبعض الأصدقاء من العلماء على بذل الهمة ومضاعفة المجهود في إنقاذ الناس وإرشادهم إلى ما في الإسلام من خير.

ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس

تربية المجتمع:

ومما يلحق بهذا الأمر ضرورة وضوح الرؤية بأن قضيتنا مع المجتمع ليست فقط تكوين رأي عام يقتنع بالحل الإسلامي، بل لا بد من تربية الناس على الإسلام حتى يُناصروا هذا الحل عند المحكَّات العملية .

إن الكثيرين من أفراد المجتمع يحبون الإسلام إلا أن حبهم لأنفسهم أشد، لذلك ففي أوقات الرخاء تجدهم يدافعون عن الإسلام وعن قضاياه، فإن حدث تماس أو تعارض بين مصالحهم الشخصية، وبين ما ندعوهم إليه فلن يكونوا معنا، بل قد ينقلبون علينا؛ لأنهم لم يتم تربيتهم على الإسلام وعلى التضحية من أجله .

وليس معنى ذلك أن نقوم بتربية الناس على جميع معاني الإسلام، ولكن المقصد هو تحقيق الحد الأدنى الذي ينقل المجتمع من حالة السلبية واللامبالاة والأنانية التي يعيش في أجوائها، وأن تسود فيه الأخلاق الإسلامية اللازمة لنهضة أي أمة من صدق وعفة وإيجابية، أو بمعنى آخر: ينبغي أن يكون من أهم أهداف العمل مع المجتمع تغيير العرف العام إيجابيًّا والانتقال به درجة- أو درجات- لأعلى في سُلَّم التحقق ظاهرًا وباطنًا بالإسلام ليكون ذلك عونًا- بإذن الله- على تحمل التضحيات تجاه الدين عندما تتطلب الظروف ذلك

مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا بالتربية والمعايشة والوجود بين الناس

وغني عن البيان أنه لا يمكن للعاملين للإسلام تربية المجتمع على شيء يفتقدونه في ذواتهم؛ لذلك من الضروري الاهتمام الشديد بتحقيق الأخلاق الأساسية، والمعاني الإيمانية الضرورية داخل نفوسنا قبل النزول للمجتمع قدر المستطاع، حتى لا نكون فتنة لهم، وحتى لا يؤثر هذا النزول بالسلب على مستوى الأفراد؛ بسبب ضعف مناعتهم الإيمانية وعدم قدرتهم على مقاومة جراثيم المجتمع

ومن عوامل النجاح للاستفادة من الانتخابات تربويًّا

ثالثًا: وضوح الرؤية حول مفهوم التربية ومجالاتها

فإن كانت التربية هي الأداة الرئيسة للتغيير فلا بد من وضوح الرؤية حول مفهومها ومجالاتها .

فمن تعريفات التربية:

إحداث أثر دائم في الشيء ينتج عنه تغيير حقيقي فيه .

ومن تعريفاتها كذلك ما ذكره الإمام البيضاوي بأنها: تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا .

ولكي يتم تبليغ الشيء إلى كماله لا بد من عمل مؤثر متكرر ومتتابع

: أما مجالات التربية الإسلامية، فهي مكونات الإنسان الأربعة

العقل والقلب والنفس والجسد؛ أي أنه من الضروري أن تتم تربية معرفية، وتربية قلبية، وتربية نفسية، وتربية سلوكية؛ حتى تظهر الثمرة الصحيحة والمرتقبة للتربية وهي تنشئة المسلم الصالح المصلح الذي تتأسس عليه الأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم .

ولكي يحدث هذا لا بد من عمل متكرر متتابع يُحدِث أثرًا متدرجًا في أحد هذه الجوانب الأربعة حتى يصل به إلى حد الكمال، أو قريبًا منه. ثم ننتقل لعمل آخر وهكذا...

معنى ذلك أنه لكي تنجح العملية التربوية في ذات الإنسان لا بد من تبنِّي هدف محدد يتم التركيز عليه، وتكرار طرحه بوسائل مؤثرة تدمج بين الخطاب العقلي والوجداني، وأن تُلحَق به أعمال سلوكية تخدم الهدف وتعلو به في النفس شيئًا فشيئًا .

فإن لم نفعل ذلك، وتبنَّينا في الوقت نفسه أهدافًا كثيرة نريد تحقيقها بالتوازي في ذات الفرد، فمن المتوقع ألا تُحدث التربية أثرها المطلوب، بل سيكون الناتج: اتساع دائرة المعرفة عند الفرد على حساب دائرة التأثير والتغيير .

والملاحظ أننا كثيرًا ما نقوم بتطبيق المفهوم الصحيح للتربية في بعض أمورنا المعيشية، فالذي يتعلَّم مهارات قيادة السيارة فإنه لا يتعلمها دفعة واحدة، وإلا ما اكتسبها، بل يقوم المدرب بتعليمه مهارة واحدة ويدربه عليها بالتكرار والتتابع حتى يكتسبها ثم ينتقل إلى مهارة أخرى والذي يتعلم أحكام التجويد يحدث معه نفس الشيء

فإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على العمل في الانتخابات فينبغي علينا أن نحدد أهدافًا قليلةً (هدفًا أو هدفين) ونركِّز عليهما، ونعيد ونكرر طرحها بأساليب مختلفة تخاطب الفكر والعاطفة، وأن نأخذ بأيدي الناس نحو العمل المطلوب

لتحقيق الهدف في ذواتهم ، وأن نستخدم وسائل التأثير المختلفة لإحداث الأثر المتدرج داخلهم .

وينبغي أن تكون تلك الأهداف القليلة التي سنُركِّز عليها

منبثقة من أهدافنا العامة التي تهدُف إلى تغيير العرف العام للأمة وصبغها بالإسلام، وأن ندندن جميعًا حولها: فالخطيب يتكلم عنها، ويصبغ خطبته بالدليل العقلي والمؤثرات الوجدانية، ولا يتفرع كثيرًا في خطبته، بل يُركِّز نحو الهدف المحدد

والمطوية، والبوستر، والنت، والحوارات المباشرة مع الناس ينبغي أن تخدم هذه الأهداف القليلة التي يتم الاتفاق عليها .

وبعد الاتفاق على الهدف الذي سنسعى لتحقيقه في فترة الانتخابات، علينا أن نُحدد مظاهر عملية لهذا الهدف، ووسائل تحقيقه (معرفية- وجدانية- سلوكية)، ومعايشة تطبيقه وسط الناس.

رابعًا: التحفيز والتذكير الدائم قبل أداء العمل

من أهم عوامل النجاح في الانتخابات تربويًّا هو يقظة الفرد ودوام شعوره بأهمية العمل الذي يقوم به، وكيف أنه خطوة مهمة في بناء المشروع الإسلامي، وأن يتملَّكه الشعور بأن حركته الصحيحة الفاعلة قد تكون سببًا في نجاح هذه الخطوة والعكس.

ولكي يعيش الفرد دومًا في هذه الأجواء لا بد من الاستمرار في تذكيره وتحفيزه، وكلما قوي الاتصال بين المشاعر والجوارح قبل وأثناء العمل؛ كان الأثر أشد وأقوى.

من هنا تبرز أهمية التذكير والتحفيز قبل القيام بأداء العمل الصالح حتى يتم الانتفاع الحقيقي به.. قال تعالى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55))

والمثال العملي لذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم

( اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يُحسِن صلاته ) السلسلة الصحيحة للألباني .

فذكر الموت قبل الصلاة من شأنه أن يوقظ الإنسان من غفلته، فيُقبل على الصلاة بقلب خائف وجل .

فإن قلت: فكيف أقوم بتحفيز نفسي وتحفيز الآخرين قبل القيام بالعمل في الانتخابات ؟ .

قلنا: هناك وسائل كثيرة للتحفيز والتذكير يُمكن للمرء أن يستخدمها مع نفسه ومع الآخرين، سنذكر العديد منها- بعون الله تعالى- في الأسطر القادمة، مع العلم بأنه ليس المطلوب استخدامها كلها قبل القيام بالعمل، كل ما هو مطلوب هو الاجتهاد غاية الإمكان في تحفيز أنفسنا والآخرين، وأن نستخدم من الوسائل ما يتناسب مع الوقت والعمل، وإن كانت هناك بعض الوسائل التي تكاد تكون مشتركة في كل الأعمال: كالتذكير بالله وابتغاء مرضاته، وبأهمية العمل الذي نقوم به وبفضله. بمعنى أنه من الضروري أن يسبق أي عمل- ولو كان صغيرًا- فقرة تحفيزية، فإن حالت الظروف دون إتمامها؛ فعلى كل فرد أن يقوم بتهيئة نفسه وتحفيزها قبل القيام بالعمل حتى ينتفع به في زيادة الإيمان .

وإليك- أخي- بعض التفصيل حول هذا العامل المحوري.

أهمية التحفيز قبل القيام بالعمل :

العمل في الانتخابات شكل من أشكال العمل الصالح الذي نتقرب به إلى الله عز وجل، ولكي يتم الانتفاع بالعمل الصالح في زيادة الإيمان؛ لا بد من استجاشة المشاعر القلبية قبل القيام به ليحدث الاتصال بين المشاعر والجوارح، فينعكس أثره على القلب بزيادة الإيمان فيه، فإن لم يحدث هذا الاتصال فلن يكون لأداء هذا العمل أثر يُذكَر على القلب، ومن ثمَّ السلوك .

من وسائل التحفيز :

السؤال :

السؤال يستثير مشاعر الرغبة داخل الإنسان لمعرفة الإجابة، وهو أيضًا يشغل الذهن ويُنبِّه العقل بطلب الإجابة، فإذا ما انتبه العقل كان من السهل استثارة المشاعر بالوسائل الأخرى

لذلك علينا أن نبدأ بسؤال أنفسنا قبل التحرك للقيام بأي عمل

لماذا أقوم بهذا العمل؟ (لماذا أدخل على النت، لماذا أذهب لمقابلة فلان، لماذا أشارك في مسيرة ...

ثم نبحث عن الإجابة من خلال استعراض الوسائل التالية

- أذكر نفسي والآخرين بأن الله عز وجل يُحب هذا العمل، وأن قيامي بهذا العمل يعرضني لرضى الله عز وجل ورحمته ..

فأعمال الانتخابات من جنس الجهاد في سبيل الله، والله عز وجل يُحب أهل الجهاد، وكذلك فإن أعمال الانتخابات صورة من صور الدعوة إلى الله

وأعمال الانتخابات شكل من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكل هذه الأمور يحبها الله عز وجل ويحب أهلها .

- أُذكِّر نفسي والآخرين بأهمية العمل، وأنه وسيلة عظيمة لتنبيه الغافلين، وتوصيل الدعوة لأماكن لم تصل إليها، وأنه خطوة مهمة في بناء المشروع الإسلامي .

- أُذكِّر نفسي والآخرين بفضل العمل، وأنه من جنس الجهاد، وأُذكِّر نفسي بفضل الجهاد، وأستحضر النصوص التي تحدثت عنها كقوله تعالى :

( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( 121 ) التوبة .

وقوله صلى الله عليه وسلم

"لغدوة في سبيل الله أو رَوْحة خير من الدنيا وما فيها

ولا بأس- أخي الحبيب- من القراءة في كتب فضائل الأعمال لاستثارة المشاعر قبل القيام بالعمل .

أخوِّف نفسي والآخرين من مغبة عدم القيام بالعمل، أو التقصير في أدائه، وأن هذا قد يُعرِّضنا لغضب الله عز وجل وعقوبته، وأن يجعلنا عرضة للاستبدال .

( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) 38 محمد .

أُذكِّر نفسي والآخرين بقدوة من القدوات الحالية أو السابقة والتي بذلت الكثير في سبيل الله

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) 146 آل عمران .

أقوم بتخيير نفسي بين القعود والحركة، وأُجري معها حوارًا أستعرض فيه فوائد الحركة وأضرار القعود وأستمر في الحوار حتى أقطع ترددها

ومن الضروري أن ينطلق هذا الحوار من قاعدة مفادها أن: "صلاحك لمصلحتك"، وأنك المستفيد الأول من قيامك بهذا العمل، وأنك أيضًا الخاسر من عدم قيامك به

(الإسراء: من الآية 7 (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا

فهذه- أخي- أهم وسائل التحفيز قبل القيام بالعمل، وهناك وسائل أخرى يمكنك استخدامها إذا ما سنحت لك الفرصة وهي: القصة- ضرب المثل- التذكير بالمواقف الإيجابية السابقة- الصورة المؤثرة- الصوت المؤثر-...

المهم هو تحقيق الهدف وهو ضرورة التحفيز- ولو بأقل عدد من الوسائل- قبل القيام بالعمل حتى ننتفع به في زيادة الإيمان وتحسين السلوك .

وفي النهاية: نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين ।

د/ مجدي الهلالي

-------------

* الهوامش

1- رسالة بين الأمس واليوم .

رسالة المؤتمر الخامس 2-

صحيح الجامع الصغير (5837) -३

4-

السلسلة الصحيحة (1585).

5-

أخرجه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني في الصحيحة برقم (342).

6-

رسالة المؤتمر الخامس باختصار.

7-

وسائل التأثير كثيرة منها: بيان أهمية العمل، والترغيب في أدائه، والترهيب من تركه- وكذلك القصة والقدوة والصورة المؤثرة والصوت المؤثر.

8-

حديث حسن: أخرجه أبو داود.

9-

متفق عليه.

10-

مثل: رياض الصالحين للنووي- المتجر الرابح للدمياطي.

الشكر والتواضع مقابل النصر

نشكر الله عز وجل ونخفض رءوسنا تواضعا لله عز وجل ، فالنصر من عبد الله والتوفيق والعون كان من الله
فلله الحمد والمنة .

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية.. مفهومه وضوابطه

بقلم: د. عطية فياض

لا شك أن تحكيم الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها أمر واجب، وفرض لازم، وحكم قاطع ثابت بالأدلة الصحيحة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولا خيار لمسلم ولا مسلمة ولا لمجتمع من المجتمعات في ذلك، ومن اختار شرعًا غير شرع الله أو بدل وعطل فقد أوقع نفسه في غضب الله ومقته وسخطه فضلاً عما يلحقه في الدنيا من شقاء وعنت ومشقة وحرج، والنصوص كثيرة في ذلك مما يبين أن تحكيم الشريعة الإسلامية من لوازم الإيمان ومقتضى الإسلام، قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)) (النساء)।

ومن خصائص أحكام هذه الشريعة أنها كلٌّ متحد مترابط متناسق، يؤخذ جملةً وتفصيلاً دون انتقاء وتشهٍ، ولا يمكن أن تستقيم معاملات الناس وفق الشريعة دون عقيدة صحيحة وأخلاق قويمة، وعبادة سليمة، وقد وضعت هذه الأحكام منسجمة مع بعضها الآخر، مكملة له، فالفصل بين أحكامها بتر لها وإخراج لها عن مسارها الصحيح، كما يقول الشيخ شلتوت: "العقيدة في الوضع الإسلامي هي الأصل الذي تبنى عليه الشريعة، والشريعة أثر تستتبعه العقيدة، ومن ثمّ فلا وجود للشريعة في الإسلام إلا بوجود العقيدة، ولا ازدهار للشريعة إلا في ظل العقيدة، ذلك أن الشريعة بدون العقيدة علو ليس له أساس، فهي لا تستند إلى تلك القوة المعنوية التي توحي باحترام الشريعة ومراعاة قوانينها، والعمل بموجبها دون حاجة إلى قوة من خارج النفس".

وفي مقابل هذه الأحكام الجلية هناك واقع مرير للأمة في علاقتها بالشريعة الإسلامية ليس وليد اليوم، وإنما ابتدأ منذ أكثر من قرنين، واشتد بأسه مع سقوط الخلافة الإسلامية على أيدي العلمانيين، الذي حرصوا من خلال تربعهم على عرش كثير من الحكومات العربية والإسلامية أن يحدثوا خللاً في البنية الفكرية للشعوب الإسلامية، لتعيش في فصام نكد بين ما تؤمن به وتعتقده، وما تطبقه في حياتها من مناهج وأنظمة، فبينما تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المدبر الحكيم العليم اللطيف الخبير، وتؤمن بالقرآن وما فيه من آيات وأحكام لكنها في كثير من مجالات حياتها تخالف ما تؤمن به وما تعتقده إن لم يتزلزل إيمانها الكامل ببعض الأحكام حيث لا تعدم نفرًا من المسلمين يتكلمون عن الربا وكأنه المنقذ للاقتصاد، ويستبشع تطبيق الحدود، ولا يجد غضاضة في التحاكم إلى القوانين الوضعية، بل ويعتبرها هي المرجعية والحضارة، وزاد من تجذر هذا الفصام أن الدول التي تعلن تطبيقها للشريعة الإسلامية لم تقم بالتطبيق الكامل بحيث تقدم نموذجًا مغريًا يدفع حتى ولو لمحاكاتها إنما للأسف شوهت الشريعة الإسلامية بتطبيقها الخاطئ.

في ظل هذا الواقع بدت مسألة من المسائل المهمة التي تواجه الحركات الإسلامية الصاعدة والتي تتبنى الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بالكامل، فماذا عساها أن تفعل أمام هذا الواقع المر، فهل تقوم بفرض الشريعة الإسلامية بالكامل من خلال القوانين التي تصدرها المجالس البرلمانية التي يشكل الإسلاميون فيها الأغلبية، وتعمل الحكومة على فرض الالتزام بها بقوة القانون وإجبار السلطة التنفيذية؟ أم يطبق ما تقدر عليه الدولة حسب ظروفها وإمكاناتها في الوقت الذي تعمل فيه على إزالة العوائق أمام الأحكام التي يتعذر عليها تطبيقه في الحال؟

إزاء هذا الجدل برز موضوع "التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية" فهل هناك تدرج في التطبيق أم أن التدرج قد انتهى بكمال الشريعة وتمام نزولها وانقطاع الوحي، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون التصرف مع هذا الواقع؟

نبين أولا معنى التدرج، وبيان صوره وأشكاله، ثم بيان كيفية التعامل مع هذا الواقع من منطلق قواعد الشريعة وأصولها.

معنى التدرج:

التدرج، تفعل من "درج" التدرج في اللغة: من دَرَجَ من باب دخل، ودرج الشيء يدرج درجًا ودَرَجانًا أي مشى مشيًا ضعيفًا، ودنا، ومضى لسبيله، ودرجه إلى كذا واستدرجه بمعنى: أدناه منه على التدريج فتدرّج، واستدرجه: رقاه من درجة إلى درجة، وأدناه على التدريج فتدرّج هو، كدرَّجه إلى كذا تدريجًا: عوده إياه كأنما رقاه منزلة بعد أخرى، والتدرج أخذ الشيء قليلاً قليلاً.

ومن ثم يمكن القول بأن التدرج: أخذ الأمور شيئًا فشيئًا، وقليلاً قليلاً، وعدم تناول الأمور دفعة واحدة.

وهذا المعنى هو الذي حرصت عليه الشريعة الإسلامية ودلت عليه نصوص القرآن والسنة، بل نزول القرآن الكريم منجمًا على ثلاث وعشرين سنة أبلغ دليل على اتباع الشريعة هذا المنهج في تثبيت الأحكام، قال تعالى (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106)) (الإسراء)، وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)) (الفرقان)، وفي الصحيح من حديث البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)) (القمر). وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده..".

ولذلك وجدنا تدرجًا في التشريع من حيث الزمان إذ استغرقت عملية التشريع حتى اكتملت ثلاثًا وعشرين سنة، ومن حيث الأحكام تم البدء بالعقيدة والقيم الأخلاقية وتلتها الأحكام العملية، وتم بناء الفرد أولاً ثم بناء الدولة ثانيًا وهكذا، بل وعلى مستوى الحكم الواحد راعى الإسلام التدرج فيه وأمثلته كثيرة.

وهذا المنهج الإسلامي في التغيير هو الذي يستقيم مع طبيعة النفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى وتتسم بسمات تستعصي معها على أن تقهر على شيء لا تريده ولا تستوعبه.
لكن هذا التدرج المشار إليه آنفًا قد انتهى ولا مجال للقول باتباعه وبنفس الطريقة لأن هذا يتعارض تعارضًا كاملاً مع قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3)، ولو قلنا بالتدرج في التشريع لكان معناه نسخ بعض الأحكام، وقد انتهى زمان النسخ.

ومن ثم فإن القول بالتدرج في التطبيق يجب أن يخرج منه وباتفاق الجميع التدرج في التشريع بمعنى الحكم على شيء ما بأنه مباح ثم بعد وقت يحكم عليه بأنه حرام، أو الحكم بإباحة شيء ما ثم يحكم عليه بالوجوب بعد ذلك، وهذه ليست محل نزاع ولا خلاف بين عقلاء الأمة علماؤها وغير علمائها.

لكن تبقى صورتان لهما علاقة بالتدرج:

الأولى: التدرج في الدعوة والبلاغ، ومعناه: بيان الأحكام الشرعية للناس شيئًا فشيئًا، لتتم معرفتهم، واستيعابهم لها، وإدراكهم لحقيقتها، والتدرج فيها من الأصول إلى الفروع، ومن الأيسر إلى ما يليه، ومن السهل إلى الأشد، ومن القريب لأذهانهم إلى ما بعد عنهم، وهذا واجب العلماء والدعاة خاصة، وما يجب أن يتوقف هذا العمل ولا تلك السنة، وهذا هو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا عندما أرسله إلى اليمن في حديث الصحيحين عن ابن عباس أن معاذًا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

الثانية: تطبيق ما تستطيع الدولة أو الأفراد تطبيقه مما تعد القدرة شرطًا في القيام به، ويسقط مع العجز، أو يخفف حكمه، أو يترخص فيه على حسب درجة العجز، ومن ثم فما لا يمكن القيام به ولا القدرة عليه يؤجل تطبيقه إلى حين استيفاء شرطه وانتفاء موانعه، وألا يؤدي تطبيقه إلى مفسدة أعظم من المصلحة التي تترتب على تطبيقه، وكل من شرط القدرة على القيام بالتكليف وانتفاء العجز، والموازنة بين المصالح والمفاسد، من الأمور المعتبرة عند تطبيق أحكام الشرع.

ولذلك فإنه يجب بحث هذه المسألة في إطار شرط القدرة على القيام بالتكاليف، أو في باب فقه الموازنات، وليس تحت مسألة التدرج؛ فهذا هو الباب الرئيس لها وليس باب التدرج.

وقبل الحديث عن القواعد الحاكمة لهذه المسألة فإنه يجب توافر عدة أمور:

أ- الإيمان الكامل بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للتطبيق في جميع مجالات الحياة.

ب- وجود نية ورغبة صادقة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وليس التفافًا لتعطيلها والتحايل عليها بدعوى عدم القدرة.

ج- وجود خطة لاستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية في المجالات التي تعجز الدولة أو الأفراد عن القيام به.

د- وجود عجز حقيقي لا مجرد أعذار واهية.

هـ- ألا يؤجل تطبيق الأحكام التي يقدر على تطبيقها انتظارًا لمرحلة التطبيق الكامل، لحديث الصحيحين واللفظ لمسلم "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"

أما عن اعتبار القدرة والاستطاعة شرطًا في القيام بالتكليف فهو أمر بدهي تدل عليه الأدلة وتشهد له القواعد، ومن ذلك: قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية 16)، ولحديث "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ومنها ما ورد في الصحيح "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فهنا اعتد النبي صلى الله عليه وسلم بالقدرة كشرط للتغيير، وتدرج بالمكلف من حالة إلى حالة بحسب استطاعته

وقد ورد عن كثير من الفقهاء أقوال وقواعد صاغوها من هذه الأدلة:

قال القرافي "يشترط في خطاب التكليف علم المكلف وقدرته على ذلك الفعل"، وقال ابن حزم: "فأما ما عجز عنه فساقط، وأما ما لم يعجز عنه فباقٍ على وجوب الطاعة له".

وقد صاغ القرافي قاعدة على ذلك فقال "والقاعدة أن المتعذِّر يسقط اعتباره، والممكن يستصحب فيه التكليف".

كما أن اعتبار مآلات التطبيق، بحيث لا يترتب على تطبيق حكم مفسدة أعظم من المصلحة من تطبيقه فيشهد له ما صح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة".

وهذا الحديث يعتبر أصلاً عظيمًا في هذا الباب؛ إذ راعى النبي صلى الله عليه وسلم مآلات الأمور فعندما غلب على ظنه أن الفعل المشروع يحدث فتنة في القوم امتنع عنه درءًا للمفسدة، وهو ما فعله عمر في تقسيم أرض السواد إذ امتنع عن تقسيمها بين الفاتحين وتركها بيد أهلها يدفعون عنها خراجًا.

وروي قريب مما تقدم عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كما رواه ابن الجوزي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه أمير المؤمنين الخليفة الراشد الخامس وقت قيلولته يستعجله بردّ المظالم إلى أهلها، فقال له عمر: يا بني، إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومتي الأجر مثل ما أحتسب الذي في يقظتي، إن الله لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، لكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكنّ الإيمان في قلوبهم.

- وروي أن ابنه عبد الملك قال له: يا أبت لم لا تنفذ الأمور؟ فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور! فقال له عمر رضي الله عنه: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة".

- وروي عنه قوله "لو أقمت فيكم خمسين عامًا ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعًا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا".

- وروي عنه قوله: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا".

- وسئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرقيق العجم، يُشترون في شهر رمضان وهم لا يعرفون الإسلام ويرغبون فيه، لكن لا يفقهون ما يُراد منهم، فهل يُجبرون على الصيام أم يُطعمون؟ فقال: أرى أن يُطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفق بهم حتى يتعلموا الإسلام، ويعرفوا واجباته وأحكامه".

وقال ابن تيمية: "خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ) - وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) - وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ) - وكذلك قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)- لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرًا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد- إلى أن قال- رحمه الله: والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه".

ويقول: "فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار".

ومن القواعد التي صاغها الفقهاء لضبط الأحكام المتقدمة:

قال القرافي: "إذا تعارضت المفسدة الدنيا والمفسدة العليا فإنا ندفع العليا بالتزام الدنيا"، وقال الزركشي في المنثور: "قاعدة: تعارض المفسدتين، قال ابن عبد السلام: أجمعوا على دفع العظمى في ارتكاب الدنيا". وقال ابن دقيق العيد: "من القواعد الكلية أن تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما.... وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعين عدم إحداهما"، وعند السيوطي وابن نجيم: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، ونظيرها: قاعدة خامسة، وهي "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة؛ قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.. وقد يراعى المصلحة، لغلبتها على المفسدة.

وكل قاعدة من هذه القواعد لها أدلتها وتطبيقاتها الفقهية المتعددة حتى أن العز بن عبد السلام أورد أكثر من ستين مثالاً للأفعال المشتملة على مصالح ومفاسد وشرع فيها ارتكاب الأقل مفسدة لدفع الأعظم مفسدة، وترك المصلحة الدنيا لتحصيل المصلحة العليا.

ومن ثم فإذا كنت القوانين الحاكمة لبعض الأمور من المفاسد والمناكير فإن شرط تغييرها يجب أن يكون إلى الأصلح والمعروف فإن كان تغييرها يؤدي إلى ما هو أفسد من بقائها تركت، وبالطبع فإن الأفسد إنما يكون في طريقة تطبيق الحكم الشرعي.

ومن القواعد المهمة أيضًا في هذا الباب: قواعد إزالة الضرر، حيث قيد الفقهاء إزالة الضرر، وهو واجب شرعي بألا يزال بضرر مثله أو أكبر منه بل يزال بالمعروف والضرر الأخف.

ومن ثم فإذا كنا أمام تشريعات وضعية أوجدت مراكز قانونية لعشرات السنين، وأسس بموجبها الكثير من المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتدرب على العمل بموجب تلك القوانين رجالات في القضاء والسياسة والشرطة ونحوها، وبسبب غياب الشريعة الإسلامية لم تنضج كثير من الاجتهادات في مجال السياسة والحكم ويحتاج الأمر إلى المزيد منها وتنقيح ما هو موجود ففي مثل هذه الحالة يكون التطبيق الفوري في المجالات التي لها علاقة بما ذكر أفسد من ترك التطبيق.

ولو أخذنا أنموذج العلاقة بين المالك والمستأجر في مصر والذي حددته قوانين صدرت منذ أكثر من خمسين عامًا والتي تم بموجبها تأبيد عقد إيجار المساكن وتثبيت القيمة الإيجارية عند مستوى معين يتندر عليه الجميع، فلو أردنا تصحيح مثل هذه العلاقة وفقًا لأصول الشريعة وقواعد الفقه وقمنا بإخراج المستأجرين من مساكنهم فورًا دون تدبير مأوى لساكني هذه البيوت لأدى ذلك إلى مفسدة أعظم من مفسدة تأجيل تصحيح هذه الأوضاع الخاطئة، ومثل ذلك يقال في شأن المؤسسات الربوية إذ لا يتصور تحويلها إلى مؤسسات اقتصادية إسلامية بمجرد قانون أو قرار إداري؛ لأن الأمر يحتاج إلى تغيير الفلسفة التي تنطلق منها هذه المصارف وليس مجرد تثبيت سعر الفائدة أو تغييره، ومثله أيضًا في تأهيل القضاة ومنفذو الأحكام إذ يحتاجون إلى دربة وتحصيل خبرة بقواعد الشريعة وروحها ومقاصدها قبل أن تصاغ لهم قوانينها في شكل مواد، ويسبق ذلك أو يتزامن معه النظر في مناهج التعليم والتربية ووسائل الإعلام لتقوم بعملية الإعداد والتوجيه والتثقيف، وهذا كله وفق خطة مدروسة محددة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ واتخاذ كلمة التدرج "تكأة" للإبطاء بإقامة أحكام الله، وتطبيق شرعه، بل نعني بها: تحديد الأهداف بدقة وبصيرة، وتحديد الوسائل الموصلة إليها بعلم وتخطيط دقيق، وتحديد المراحل اللازمة للوصول إلى الأهداف بوعي وصدق بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام كل الإسلام".

ويلاحظ أن ثمت أحكامًا لا يمكن دخولها في هذه الخطة المذكورة إنما يجب البدء فيها فورًا، وهي تلك الأحكام المتعلقة بالعقيدة وما يتعلق بها من أحكام؛ ومن ثم فإن النص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي المرجعية التشريعية والثقافية والحضارية للأمة من الأمور التي لا يجوز التهاون فيها، ولا الخجل من إعلانها للدنيا كلها، ويضاف إلى ذلك أيضًا ما هو معلوم من الدين بالضرورة في باب المأمورات أو في باب المنهيات، ومن ثم فإن الإبقاء على نصوص المواد التي لا تجرم الزنا إلا إذا اقترن بحالة إكراه، أو استغلال لصغر سن أو ضعف تمييز لا بد من إزالتها وتعديلها ولا يمكن التدرج فيها بحال من الأحوال، ويقال مثل ذلك في نظائره.

أما غير ما تقدم فيخضع للسياسة الشرعية التي تنتهجها الدولة في ترتيب أولويات التطبيق والتي تقوم على فقه مراتب الأعمال، وترتيب المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.

وختامًا يجب التأكيد أن وضع هذه الخطة وتنفيذها التي تحقق شرط القدرة على تطبيق الشريعة الإسلامية، وإزالة العوائق التي تحول دون تطبيقها من الأمور التي يجب أن تسعى الأمة كلها إلى تحصيلها، القادر منهم وغير القادر، من هم في سدة الحكم ومتخذي القرار ومن هم في مقام التوجيه والتعليم، ومن هم من عامة الناس أو كانوا ممن يطلق عليهم النخبة، وكل له دوره ولا يعذر أحد في ترك شريعة الله سبحانه وتعالى مهملة مضيعة؛ لأن هذا هو المنكر الأكبر التي يجب أن تتضافر جميع الجهود لتغييره بكافة الوسائل المقدور عليها، والميسور منها لا يسقط بالمعسور.


الأربعاء، 9 نوفمبر 2011

الإخوان المسلمون.. بعيون إيطالية

إعداد: السيد شعيب.

بلغت دعوة الإخوان المسلمين شأوًا عظيمًا في أربعينيات القرن العشرين، جعلها محط اهتمام الساسة والباحثين والمفكرين في العالم، فضلاً عن الحكومات والقوى السياسية العالمية.

من أبرز الكتاب والصحفيين العالميين الذي كتبوا في شئون الإخوان العديد من الكتابات، وحبروا العديد من المقالات الكاتب والصحفي الأمريكي روبير جاكسون، صاحب الكتاب الشهير (حسن البنا الرجل القرآني)، والذي ترجمه الأستاذ أنور الجندي إلى العربية، والباحث الأمريكي ريتشارد ميتشيل الذي حصل على الدكتوراه في دراسته القيمة (الإخوان المسلمون).

والكاتب الإيطالي الدكتور أتريكو أنسياتو، السياسي والبحَّاثة في الشئون الشرقية والإسلامية، والذي يكتب في مجلة "إسكامبي انتركوننتالي" التي تصدر من روما باللغات الإيطالية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية وتهتم بالشئون العالمية.

ولقد كتب الكاتب مقالاً بعنوان (بعث جديد للإسلام صدى دعوة الإخوان المسلمين في جنوب ووسط وغرب أوربا) وترجمه عن الإيطالية الدكتور محمد الحسيني، مدير مكتب الإخوان المسلمين في إيطاليا، ونشرته مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية في الأربعينيات، وقد آثرنا أن ننشره هنا لفائدته الجمة.

بعث جديد للإخوان بالإسلام

تتمخض الحرب لا سيما إذا كانت طويلة عصيبة عن فورة في المشاعر والآراء ويقظة في الوعي وتوجيه للقوى، فإذا اختلت القيم الروحية ونفرت الغرائز عن وازعها من جانب تحفزت من جانب آخر الأصول المحركة تثبت كيانها وتتهيأ للنضوج وتثبت للسيادة والتوسع والانتشار فوق حطام ما تفيض عنه الملاحم من الأسى والشجن، ولنلاحظ أن هذه الأصول المحركة رغم ما قد يعتريها أحيانًا من الجمود تظل حية في المجلات الروحية والثقافية متجلية في بيئتها التاريخية والجغرافية السياسية التي منها خرجت وعليها درجت. وإن هي إلا ثمرة التدافع المتزن بين قوة التقاليد والسنن وقوة التطور.

هذه الأصول المحركة للقوى تجد دعامتها في تضاعيف مدنية ذات طابع واضح المعالم مرسوم الحدود، وتستمد زادها من فيض مبدأ عام شامل، وإن هذا المبدأ العام هو مصدر هذه المدنية ومميزها عن غيرها.

نهضة الإسلام

ولقد أدلت إلينا هذه الحرب الأخيرة (الحرب العالمية الثانية) بنهضة للإسلام، وأنها يقظة عالم يموج بثلاثمائة مليون نفس، وأنها بعث جديد لمدنية رفيعة أصيلة عريقة.

ولئن كانت مشخصاتها ومميزاتها جديدة إلا أنها لا تحيد أو تنفك عن السنن التقليدية، هي وثبة وافرة القوى زاخرة بالأعمال لها قدرها وخطرها في العالم الإسلامي عامة وفي إقليم البحر المتوسط خاصة.

أما باعث هذه النهضة والنافخ فيها من روحه، فحركة سياسية تستوحي من الإسلام غاياتها ووسائلها، هي حديثة عهد بالوجود ولكنها تنحدر من أصول تضرب في أعماق القدم، هي حركة الإخوان المسلمين التي تؤيدها جموع حاشدة من المريدين والأتباع من مصر إلى باكستان.

انبعثت هذه الحركة منذ عشرين عامًا بالإسماعيلية ثم لم تلبث أن شاعت في القطر بأسره، ثم غزت العالم الإسلامي كله، وها هي اليوم راسخة القدم في كل مكان منه.

ولا تخالن أن الجوهر الروحي والسياسي لهذه الحركة لا يعدو المهام السياسية المنوطة بالأحزاب، أو أن الحركة تقف عند حدود القطر المصري، بل إنها وحي ذو مشخصات عالمية تتجاوز نطاق الدولة، فهي وإن كانت مصرية المنبت إلا أنها رغم ذلك عربية إسلامية في أصولها وطوابعها ومادتها ومناهجها.

وجدير بالسياسيين والدارسين والناشرين والمهتمين بالبحوث الإسلامية أن يوالوا اهتمامهم بهذه الحركة.

فلقد دل الإسلام على حيوية دائبة وعلى ما تهيأ له من أسباب التطور والمساهمة كقوة عالمية في تطور الإنسانية كافة.

ولا يتمادى بنا القول إذا اعتقدنا مخلصين أننا تجاه حركة تسجل في تاريخ الإسلام استهلال عهد بكر، وتنسج بعزمتها وقائع تاريخ جديد، عقب هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة العثمانية قامت في مصر والهند حركات قومية تفصل بين الوطنية والدين، وبذا فتحت هوة بين الإسلام والوطنية، مصدرها وَهَن الإحساس الديني وهجر السنن والتقاليد والتهافت على تقليد الأجانب، ونقل آثار منهجية مغايرة في مناحي التفكير والآراء إلى بيئة ليست بمنجمها ومنبتها، في حين يدعو الإسلام إلى حب الوطن، إلا أن اقتباس الآراء والأساليب الأوربية وعدم تمثلها تمامًا قد جر إلى انتحال نوع من الوطنية الضارة المتعصبة.

ومجمل القول أن التحول عن السنن وتجريد العمل السياسي عن مادته الدينية قد أدى بالوطنية إلى شعوبية جافة، بفعلها تولَّد الغل والضغن كما حدث بين الفرس والعرب.

انهيار الوفد

يتجلى مما أسلفنا سقوط الأحزاب الوطنية كالوفد، وقد كان أقوى الأحزاب المصرية ثم لم يلبث أن عانى انشقاقات عديدة وتمزقت أوصاله، وصار شُعَبًا عديدة نشب بينها صراع مستعر، على الرغم من اشتراكها جميعًا في المبادئ.

ولقد ملَّ الشعب الجدل والمعارك السياسية، فاتجهت جموعه بجمهرتها قدمًا نحو الإخوان المسلمين، ومن ثم ندرك هذا النضال المشبوب القائم بمصر بين الأحزاب القديمة وحركة الإخوان المسلمين الفتية القوية إلى حد أن الأحزاب القديمة تسعى جهدها إلى التملص من إجراء الانتخابات؛ خشية تصويت إجماعي ونصر محقق للإخوان المسلمين.

ولقد أبدى الزعماء القدماء عجزًا في تربية الشعب والسير به مع أطوار الزمن وتيار التاريخ، فلا عجب أن خلفهم اليوم ظهريًّا وانفض عنهم.

ولا نعتقد أن ما التمس من الوسائط الديكتاتورية التي تفعل فعلها في النظام المصري قادرة على منازلة أو اعتراض طريق حركة حديثة كهذه، سوف لا تخرج عن الميدان إلا قاهرة منتصرة لا يثنيها عارض ولا ينخذل لها عزم.

وإذا قلدت الأحزاب الوطنية النماذج الأوربية أغفلت في حسابها العامل الديني، وهو قوام الإسلام وملاكه، مع أن هذا العامل يزكي نفوس الإخوان المسلمين، وينفخ من روحه في حركتهم، فهم يسيرون حقًّا مع الإسلام من جديد جنبًا إلى جنب، وهم يجعلون الإسلام قبلتهم، وهم يرصدون للإسلام جهودهم ومساعيهم.

حركة الإخوان المسلمين

العامل الديني جد ضروري للعالم الإسلامي، إذ إنه يسود مناحي حياته الروحية والاجتماعية والثقافية، وهاكم الشيخ حسن البنا رائد حركة الإخوان المسلمين، فإنه وإن كان معلمًا متواضعًا في بادئ الأمر إلا أنه اشتهر كرجل عقيدة وإيمان، قد اجتمع له إلى كل هذا همة ولسان مفوه، ومضاء عزم، وكان مُدْبِرًا عما يعود عليه بالمصلحة، مقبلاً على ما فيه خير للشعب.

أدرك الرجل باعتماده على الدين وتمسكه بالسنة من جلالة المحل ما لم يدركه غيره، وحسبك أن شباب البلاد وأعلام الأزهر، وجمهرة الشعب تلتف حوله وتظاهره وتناصره.

ولقد جعل الرجل من حركته قوة لها خطرها وقدرها، وأصبحت جريدة الإخوان المسلمين ترجمان العالم الإسلامي كله، وأضحى نفوذها ورواجها عظيمًا داخل مصر وخارجها، قد تنزهت عن الجدل والمهاترات، وتبارت في الإجادة والإحسان حتى لا يداني شأنها من الصحف إلا النادر، وما برحت تستخلص مبادئها من نبعها الروحي الفياض حتى استوت لها أصول وافرة تقف راسخة كجموع مصفوفة متراصة من الخلق.

وبعد؛ فحركة الإخوان المسلمين أجل وأرفع من أن تكون حزبًا سياسيًّا فحسب، فإن برنامجها ومساعيها تشمل حياة الأمة المحمدية على مختلف وجوهها.

وقد رفع الشيخ حسن البنا برنامج الإخوان المسلمين ومبادئهم في مذكرة مفصلة تجلي علينا اهتمام الحركة في الميدان الاجتماعي بمصير الطبقة الفقيرة، وتطالب بحقوق 60% من المصريين يعيشون في الدرك الأسفل من الحياة البدائية، قد ملكت ضروب الفاقة عليهم كل سبيل، في حين أن حياة البلاد الاقتصادية تحتكرها ثلاثمائة وعشرون شركة أجنبية.

فالعودة إلى الإسلام أعظم نصر وأجل ما وُفِّقت إليه حركة الإخوان المسلمين، وهذا ما يضفي عليها طابعها ويمدها بالقوة.

والحق أن المسلم بقدر ما يتمسك بدينه ويعمل بأحكامه، بقدر ما يصير مناهضًا متسامحًا مجافيًا للتعصب والبغي والدس. وما نذكر ليس بجديد إنما تؤيده شواهد التاريخ ومآثره.

وقد عالج الشيخ حسن البنا في مذكرة مرفوعة إلى الملك فاروق مسألة الأقليات والعلاقة بالأجانب، مستعينًا في حل هذه المادة المعقدة العسيرة الدقيقة الخطيرة بأحكام الشريعة التي تكفل للأجانب والأقليات الدينية والقومية كل حقوقهم وتصون كرامتهم وفق العهد، والعهد في الوقت نفسه مقياس لتنظيم العلاقات بين الذات الإلهية والبشرية، ومعنى هذا إذن تثبيت مبادئ الاعتقاد السليمة الحرة وصون حريات الإنسان وتقوية الروابط القائمة بين الشرق والغرب لا قطع وشائجها، ثم إقامة جسر جديد راسخ الدعائم بين عالمين يسيران قدمًا في مداريهما.

نحو الخلافة

يثير مقال الخلافة في نفسي رضى عميقًا وذكريات عزيزة أستميح القارئ عفوًا إذا استطردت في ذكرها، فمنذ عام 1901م وأنا أدافع عما ينادي به الإخوان المسلمون المكللين بالنجاح في دعوتهم من المغرب الأقصى إلى باكستان، بما دبجت به في مجلة "النادي" الإيطالية العربية التي أنشأتها بالقاهرة.

ونشرت جريدة عرفات المصرية في عددها الصادر بالقاهرة في 26 مايو 1904م كلماتي التالية بعد أن عقبت عليها بالتأييد:

أفضى بي التفكير بعد سلسلة ملاحظات دقيقة على الآثار العملية لاتباع أحكام القرآن أو هجرها إلى أن الإقرار بالفكرة الإسلامية الكاملة أساس المدنية العربية وضرورة لازمة لترقي الشعب وتقدمه.. وإنه لمن صالح الأمم المتمدينة نفسها أن يعود الإسلام إلى مصادره الصافية راسخ القدم كما كان شأنه في سابق العصور.

وإني على يقين كما أسلفنا من أن المذهب الإسلامي الصحيح الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون هو المثابة الوحيدة المهيِّئة للعالم الإسلامي بأسره لتقويم حب الوطن مما يكفل الحرية لكل شعب، ويعمل في الوقت نفسه على تآخيها في ظل جامعة الإسلام العظمى.

وما عدا هذه الحقيقة التي يمثلها الإخوان المسلمون ويصنعونها فزور وبهتان، وتدافع وتناحر، وكفاح عابث لا جدوى منه، وجري وراء اللبانات الشخصية والشهوات الزائفة.
-------

* المراجع:

مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية العدد 180، السنة السادسة 18 ربيع الثاني 1367هـ 28 فبراير 1948م ص 13.

مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية العدد 189، السنة السادسة 25 ربيع الثاني 1367هـ 6 مارس 1948م ص 6 ، 20.