ومما ورد في حب الله

ومما ورد في حب الله تعالى :

قال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.

وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.

وفي بعض الكتب: عبدي أنا -وحقك - لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال يحيى بن معاذ:

إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتَهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك وأنا صغير، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.

وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.


أحب الأعمال إلى الله

( أحب الأعمال إلى الله }
1 - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
2- أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله .
3 - أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله .
4 - أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم .
5- أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور ٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضيً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
6- يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل .
{ هذه الأحاديث من تخريج السيوطي وتحقيق الألباني }

الأربعاء، 21 مارس 2012

22 مارس.. ذكرى تأسيس الجماعة الأم

في مثل هذا اليوم من عام 1928م، أُعلن عن قيام دعوة الإخوان المسلمين بمدينة الإسماعيلية، إذ زار الإمام الشهيد حسن البنا في ذلك اليوم ستة من إخوانه، وهم: حافظ عبد الحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب الله، إسماعيل عز، وزكي المغربي- وهم ممن تأثروا بدروسه ومحاضراته، وقد جلسوا يتحدثون إليه وفي صوتهم قوة، وفي عيونهم بريق، وعلى وجوههم سنا الإيمان والعزم، وقالوا: ما الطرق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين؟! ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا، وكل الذي نريده أن نقول لك ما نملك؛ لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسئول بين يديه عنا، وعما يجب أن نعمل.

وكان لهذا القول المخلص أثره البالغ في نفس الأستاذ البنا، ولم يستطع أن يتنصل من هذه التبعة، وقال في تأثر عميق: "شكر الله لكم، وبارك هذه النية الصالحة، ووفقنا إلى عمل صالح يرضي الله وينفع الناس، وعلينا العمل وعلى الله النجاح، فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جندًا، وفيها حياة الوطن وعزة الأمة.. وقال قائلهم: بِمَ نسمي أنفسنا؟ وهل نكوّن جمعية، أو ناديًا، أو طريقة، أو نقابة؛ حتى نأخذ الشكل الرسمي؟ فرد الأستاذ البنا قائلاً: لا هذا ولا ذاك، دعونا من الشكليات، ومن الرسميات، وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات والعمليات، ونحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذًا "الإخوان المسلمون".

من هم الإخوان المسلمون؟ وما أغراضهم؟

الإخوان المسلمون- حسب ما جاء في لائحتهم العامة-:

هيئة إسلامية جامعة، تعمل لإقامة دين الله في الأرض، وتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف، ومما يتصل بهذه الأغراض:

- تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس جميعًا وإلى المسلمين خاصة، وشرحها شرحًا دقيقًا يوضحها ويردها إلى فطرتها وشمولها، ويدفع عنها الأباطيل والشبهات.

- جمع القلوب والنفوس على مبادئ الإسلام، وتجديد أثرها الكريم فيها، وتقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية.

- العمل على رفع مستوى المعيشة للأفراد، وتنمية ثروات الأمة وحمايتها.

تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي لكل مواطن، ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة، وتشجيع أعمال البر والخير.

- تحرير الوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان غير إسلامي، ومساعدة الأقليات الإسلامية في كل مكان، والسعي إلى تجميع المسلمين حتى يصيروا أمة واحدة.

- قيام الدولة الإسلامية التي تنفِّذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليًّا، وتحرسها في الداخل، وتعمل على نشرها وتبليغها في الخارج.
-
مناصرة التعاون العالمي مناصرة صادقة في ظل الشريعة الإسلامية التي تصون الحريات وتحفظ الحقوق، والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية على أساس جديد من تآزر الإيمان والمادة، كما كفلت ذلك نظم الإسلام الشاملة.

وما وسائلهم لتحقيق هذه الأغراض؟

يعتمد الإخوان المسلمون في تحقيق هذه الأغراض على الوسائل الآتية:

- الدعوة: بطرق النشر والإذاعة المختلفة، من الرسائل والنشرات والصحف والمجلات والكتب والمطبوعات، وتجهيز الوفود، والبعثات في الداخل والخارج.

- التربية: لتطبع أعضاء الجماعة على هذه المبادئ، وتعكس معنى التدين قولاً وعملاً في أنفسهم أفرادًا وبيوتًا، وتربيتهم تربية صالحة؛ عقيديًّا وفق الكتاب والسنة، وعقليًّا بالعلم، وروحيًّا بالعبادة، وخلقيًّا بالفضيلة، وبدنيًّا بالرياضة، وتثبيت معنى الأخوة الصادقة والتكامل التام والتعاون الحقيقي بينهم؛ حتى يتكون رأي إسلامي موحد، وينشأ جيل جديد يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، ويعمل بأحكامه، ويوجه النهضة إليه.

- التوجيه: بوضع المناهج الصالحة في كل شئون المجتمع من التربية والتعليم والتشريع والقضاء والإدارة والجندية والاقتصاد والصحة والحكم، والتقدم بها إلى الجهات المختصة، والوصول بها إلى الهيئات السياسية والتشريعية والتنفيذية والدولية؛ لتخرج من دور التفكير النظري إلى دور التنفيذ العملي، والعمل بجد على تنقية وسائل الإعلام مما فيها من شرور وسيئات، والاسترشاد بالتوجيه الإسلامي في ذلك كله.

- العمل: بإنشاء مؤسسات تربوية واجتماعية واقتصادية وعلمية، وتأسيس المساجد والمدارس والمستوصفات والملاجئ والنوادي، وتأليف اللجان لتنظيم الزكاة والصدقات وأعمال البر والإصلاح بين الأفراد والأسر، ومقاومة الآفات الاجتماعية والعادات الضارة والمخدرات والمسكرات والمقامرة، وإرشاد الشباب إلى طريق الاستقامة، وشغل الوقت بما يفيد وينفع، ويستعان على ذلك بإنشاء أقسام مستقلة طبقًا للوائح خاصة.

- إعداد الأمة: إعدادًا جهاديًّا؛ لتقف جبهة واحدة في وجه الغزاة والمتسلطين من أعداء الله، تمهيدًا لإقامة الدولة الإسلامية الراشدة.

وما الذي تتميز به هذه الدعوة عن بقية الدعوات؟

- تعتمد دعوة الإخوان المسلمين على الفهم العام الشامل للإسلام، لذا فإن فكرتهم تشمل كل نواحي الإصلاح في الأمة، ويلتقي عندها كل محبي الخير الذين عرفوها وفهموا مراميها.. فهم يطالبون بإصلاح الحكم، وتربية الشعب على العزة والكرامة، ويطالبون بجعل العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.. ويعدون أنفسهم عقليًّا وروحيًّا وجسديًّا، اعتقادًا منهم بأن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن يؤديها سوى مسلم قوي البدن مثقف الفكر.. وهم يعنون بتدبير المال وكسبه من وجهه الحلال، كما يعنون بأدواء المجتمعات الإسلامية، ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

ويعتقد الإخوان المسلمون أن الاستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام، وأن المسلم مطالب بالعمل والكسب، وأنه مسئول عن أسرته، ومن واجبه إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه، كما يعتقدون أن المسلمين جميعًا أمة واحدة، تربطها العقيدة الإسلامية.. وأن السر في تخلفهم هو ابتعادهم عن دينهم.

وهم قوم ينتهجون الربانية في حياتهم الخاصة، وفي الوقت ذاته هم اجتماعيون "يختلطون بالمجتمعات كلها على اختلاف أنواعها، ينشرون دعوتهم ويروجون لفكرتهم.. ويجاهدون في إصلاح المجتمع الذي تنخر فيه الأمراض الاجتماعية، وتفتك به العلل الأخلاقية، ضاربين المثل بأنفسهم في البذل والتضحية".

والإخوان المسلمون كما قال مؤسسهم: "هم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، والعقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل، في وقت التبس عليهم فيه الحق بالباطل، وهم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاء صحابته من بعده.."

وهم ليسوا حزبًا سياسيًّا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتهم، وليسوا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدهم، وليسوا فرقة رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلهم.. ولكنهم: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحده موضع ولا يقيده جنس ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ وذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين.

ما العوامل التي ساعدت على ظهور الجماعة؟

شهدت السنوات التي سبقت ظهور دعوة الإخوان عام 1928م، عددًا من المتغيرات، المحلية والعالمية، كانت سببًا في ظهور الجماعة، منها:

- ظهور دعوات التحرر الوطني.. فقد شهد مطلع القرن العشرين دعوات مخلصة ترنو إلى التحرر والاستقلال، بداية من الزعيم مصطفى كامل إلى ثورة 1919م، وما بعدها من حركات وطنية تصب في تيار العمل الوطني.

وفي وسط هذا الجو الملبد بالغيوم والأفكار المتضاربة، والدعوات متعددة الاتجاهات نشأ الإمام البنا- رضي الله عنه- وتفتحت عيناه، فأدرك أن بلده وأمته قد استولى عليها عدوها، واستبد بشئونها خصمها، فهي أمة تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق السليب، والتراث المغصوب، والحرية الضائعة، والأمجاد الرفيعة، ولم يكن غريبًا أن يشارك في الثورة على الإنجليز عام 1919م، حين كان عمره ثلاثة عشر عامًا وهو طالب بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية، وكان يردد مع الناس:

حب الأوطان من الإيمان

إن لم يجمعنا الاستقلال

وروح الله تنادينا

ففي الفردوس تلاقينا

- سقوط الخلافة عام 1924م.. وتحطم آمال الأمة الإسلامية على صخرة الخيانة الأتاتوركية، بعد إخراج آخر خليفة من تركيا، وتجريده وأهله من كل ما يملكون.. وقد هبت دعوات مخلصة لإنقاذ الخلافة، وضرورة وجود خليفة وإمام للمسلمين.

لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية باعثًا لهمة الإمام الشهيد حسن البنا، ودفعه أن يتحرك من أجل إيقاظ الأمة وقيادتها نحو استعادة مجدها السليب، ومن ثم كان لاستعادة الخلافة الراشدة مكانة عظيمة في دائرة أهداف الجماعة التي أسسها؛ لتحمل راية الإسلام وتحفظ للأمة دينها وكيانها.

- تغلغل حركات التبشير في المجتمع المصري.. كانت تلك الحركات جزءًا من الخطة (الاستعمارية) عند غزو مصر وبقية البلاد الإسلامية، بهدف هدم العقيدة الإسلامية في قلوب المسلمين.. فقد انتشر المبشرون في أنحاء البلاد في الوجهين البحري والقبلي، وفي المدن والقرى المختلفة، تحت سمع المسئولين من الحكام وبصرهم، بل إن هؤلاء الحكام كانوا بحكم تعليمات رؤسائهم يسهلون للمبشرين وسائل دخول المدن والقرى، كما يسهلون لهم وسائل الاتصال بالأهالي وإجراء ما يشاءون من إجـراءات، وإقـامة ما يـشاءون من منشـآت، بل واختــطاف مَن يشـاءون من أطفال ونساء، في الوقت الذي يضربون فيه بيد من حديد كل من تسوّل له نفسه أن يعترض سبيل هؤلاء الغزاة ولو بكلمة، معتبرين ذلك اعتداء على الحكومة.

- ولقد كانت البلاد الإسلامية على حالة من الجهل المزري والفساد الكبير، على المستويات كافة॥ وكانت مصر على وجه الخصوص بحاجة ماسة إلى تلك الحركة التي قلبت الموازين وغيَّرت مجرى التاريخ॥ كانت البلاد تعاني الأمرّين من المحتل الإنجليزي الذي كان جاثمًا على صدر البلاد، وقد انتزع خيرها وكبّل أبناءها، وعمل على فرض هويته العلمانية على الناس، فلم يعد الإسلام هو أساس الهوية، بل صارت ثوابته عُرضة للتشكيك .


- اشتداد تيار التحلل.. في النفـوس وفي الآراء والأفـكار باسـم التـحرر العقلي، ثم في السلوك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد إباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء.. وفي هذه الظروف زاد سفور المرأة واختلاطها بالرجال، وتم استيراد كثير من العادات والتقاليد الغربية التي تتعارض مع ديننا وآدابنا، فأشاعوا الملاهي والمراقص، وظهرت موجات عاتية من الرذيلة وسوء الخلق، ولقد أكد من عاصروا تلك الفترة أن القاهرة على سبيل المثال، تحولت إلى ماخور كبير، وخصوصًا الأزبكية والوسعة، حتى ضج الناس من زوارها الأجانب، ومن الأخلاق المتردية التي وصلت إليها البلاد.

بقلم: عامر شماخ

الأربعاء، 14 مارس 2012

سورة مريم

هدف السورة: أهمية توريث الدين للأجيال القادمة

يحب الله تعالى من عباده أن يستعملوا نعمته في طاعته ، والأولاد من هذه النعم .

تمتاز السورة الكريمة بجو المناجاة والذكر والتسبيح والرضا والبر والقرب .

تلاحظ ذلك في مناجاة زكريا وعبادة مريم , ودعاء إبراهيم ونداء الله سبحانه لموسى {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً }مريم52 .

والله عز وجل يعلم صدق دعائهم ومناجاتهم وهدفهم ؛ فاستجاب لهم ، فوهب لإبراهيم : إسماعيل وإسحق ويعقوب وذرية يعقوب ، ووهب لزكريا يحي ، ووهب لمريم عيسى عليهم صلوات الله وسلامه .

والأمر لا يقف على توريث الدعوة للذرية من بعدهم بل للأصول والأزواج أيضا فإبراهيم يعظ أباه ويدعوه إلى الله ، وإسماعيل يأمر أهله بالصلاة والزكاة ؛ لأن المؤمن لا يطيق أن يعبد غير الله في هذا الوجود ، وهذا دأب المؤمن ، وإذا كان الجو في السورة الكريمة يركز على الذرية ؛ فذلك لضمان استمرار رسالة التوحيد ، كي ترث الذرية الرسالة وتقوم بواجبها للأجيال من بعدها ، وهكذا يكون إخلاص الداعي لله رب العالمين .

والبر من الأبناء للآباء هو ثمرة التربية الصالحة ، فهم خلَف صالح ، أما الذين لم يتربوا في هذه البيئة الصالحة فهم خلْف طالح أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، والصلاة روح الدين وكأنهم بتركهم للصلاة قد نبذوا الدين بالكلية .

واتباع الشهوات أمر منطقي لنفوس لم تترب على ألوان الطاعات وأصناف القربات .

كما ظهر هذا البر في معاملة إبراهيم لأبيه رغم أنه مشرك !

التعقيب: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) آية 58 .

وهذا درس للأجيال القادمة ، فمن أراد أن يلحق بهؤلاء الذين أنعم الله عليهم فليدع الناس إلى الله ويخص بالدعوة ورثته وأولاده ليحملوا هذه الدعوة من بعده ، بحيث تكون قضيتهم ، إما أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها ، حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله .

ومن لم يورث دعوة الله إلى أولاده ويقف في توريثه على ما يؤكل ويشرب ويتمتع به مما هو زائل من حطام الدنيا ، فقد تنكب الطريق ، وترك ذرية غير صالحة لا تنفع أنفسها ولا تنفع غيرها ولا المجتمع من حولها ولا يعود نفع منها على الآباء في حياتهم ولا بعد مماتهم .

ومن سياق الآيات - في أكثر من نصف السورة - كان الحديث عن الولد والذرية فجاء الأسلوب رقيقا بفواصل عذبة حانية عطوفة .

وفي آخر السورة جاءت الآيات تنفي حاجة الله للولد ، وترد على من يدعي ذلك ؛ فأتى الرد شديدا مرعبا ليناسب الكذب والادعاء على الله ، وبالحروف الانفجارية المشددة (مدا – ضدا - إدا –– هدا - عدا ) .

وعلى طريقة القرآن الكريم يأتي الرد مختصرا مفيدا يلجم كل ناعق ، ويسكت كل مجادل :

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) .

ومع أن السورة قد اشتملت على من نسب لله ولدا – تعالى الله عن ذلك – ومن قال لأوتين مالا وولدا ، (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ) ، إلا أنها من أكثر سورة القرآن التي ورد فيها الاسم العظيم { الرحمن } فقد ورد ست عشرة مرة !!

فلولا أنه ( الرحمن ) لهد الكون بأرضه وسمائه فوق رءوسهم .

كما أنه { الرحمن } يرحم من رجع إليه وتاب ، ويقبل من أسلم وأناب .

وفي سورة المائدة تفسير لهذا السياق :

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} .

فعلى الرغم من التهديد الرهيب في الآيتين الأوليين إلا أن الآية الأخيرة فتحت باب التوبة والمغفرة لكل من تاب ، مع أنهم كفروا وأشركوا وادعوا لله ولدا !!

وسميت السورة بـ (مريم) تخليداً لمعجزة خلق إنسان بلا أب ، وذلك لتكتمل جوانب القدرة فآدم من غير أب ولا أم بعكس ذريته فكلهم من أب وأم ، وحواء من أب بلا أم وعيسى من أم بلا أب .

وليس الموجه للأولاد والذرية ، الرجال فقط بل النساء أيضا فإن لهن دورا كذلك ، ودليله قصة مريم وعيسى عليهما السلام ، فهي ورثت الدعوة من أسرة كريمة وورثتها لنبي ورسول كريم من أولي العزم .

وقد ضرب الله بها المثل للمؤمنين في مواضع أخرى من القرآن الكريم كما في سورة التحريم ، وكذلك في سورة الأنبياء والمؤمنون وغيرها .

وفي هذا إشارة إلى الدور الكبير للأم في التربية والتوجيه للأسرة والمجتمع .

وإذا كانت هناك سورة باسم النساء بالجملة فتلك سورة لتكريم المرأة في شخص ( مريم ) تكريما لهذه العابدة الموحدة التي صارت مضرب المثل للعالمين .

وإنه لشرف كبير للنساء أن تسمى سورة باسم امرأة ، وذلك يبرز مكانة المرأة في الإسلام ويبرز اهتمام الوحي بها .

فأين دور المرأة المسلمة اليوم ؟ .

ولماذا لا يكون اهتمام النساء في عصرنا بتوريث الدين والقيم والأخلاق ، وليس بمجرد توريث حطام الدنيا الزائل ؟.

وهذا تنبيه للنساء لتغير اهتماماتهن الشخصية من طلب الزينة والمظهر الأجوف إلى الطاعة والعبادة والمناجاة والدعاء ، ومن طريقة التربية للأولاد من مجرد إطعامهم وسد جوعتهم ، وإشباع رغبتهم وزينتهم ليكون لهم دور فاعل في إصلاح المجتمع وتوجيهه وبذلك تسهم في صناعة الأجيال التي هي مستقبل الأمة وأملها المنتظر .

الخميس، 1 مارس 2012

جيل قرآني فريد



معالم في الطريق

جيل قرآني فريد

هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان . وأن يقفوا أمامها طويلاً . ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها .

لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه . ثم لم - تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى .

نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ . ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم ، في مكان واحد ، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة .

هذه ظاهرة واضحة واقعة ، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه ، طويلاً لعلنا نهتدي إلى سرِّه .

إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا ، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي ، وسيرته الكريمة ، كلها بين أبدينا كذلك ، كما كانت بين أيدي ذلك الجبل الأول ، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر ؟

لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة ، وإيتائها ثمراتها ،

§ ما جعلها الله دعوة للناس كافة ،

§ وما جعلها آخر رسالة ،

§ وما وكّل إليها أمر الناس في هذه الأرض ، إلى آخر الزمان . .

ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذكر ، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويمكن أن تؤتي ثمارها . فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة ، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان . . وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها .

فلنبحث إذن وراء سبب آخر. لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول ، فلعل شيئا قد تغير فيه . ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه ، فلعل شيئا قد تغير فيه كذلك .

1 - كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو القرآن . القرآن وحده . فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع . فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها - عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : (( كان خُلقه القرآن )) أخرجه النسائي .

كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه ، ويتكيفون به ، ويتخرجون عليه ، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ، ولا ثقافة ، ولا علم ، ولا مؤلفات ، ولا دراسات . . كلا ! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه ، أو على امتداده . وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها ، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم . وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك . وحضارات أخرى قاصية ودانية : حضارة الهند وحضارة الصين إلخ . وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها ، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة. . فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه .. وإنما كان ذلك عن (( تصميم )) مرسوم ، ونهج مقصود . يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رض الله عنه - صحيفة من التوراة . وقوله : (( إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني )) رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي جابر .

وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل .. في فترة التكون الأولى . . على كتاب الله وحده ، لتخلص نفوسهم له وحده . ويستقيم عودهم على منهجه وحده . ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب - رض الله عنه -يستقي من نبع آخر.

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد صنع جيل خالص القلب . خالص العقل . خالص التصور . خالص الشعور . خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي ، الذي يتضمنه القرآن الكريم .

ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده . فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث ، اختلطت الينابيع .! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم ، وأساطير الفرس وتصوراتهم . وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى ، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات . واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم ، وعلم الكلام ، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا . وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل ، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا .

وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.

هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع .

2 - ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد ..

إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ، ولا بقصد التشوق والمتاع . لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته .

إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها ، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان (( الأمر اليومي )) ليعمل به فور تلقيه ! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه ، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

هذا الشعور . . شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة ، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع ، وكان ييسر لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف ، إنّما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة .

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن بُقبل عليه بهذه الروح : روح المعرفة المنشئة للعمل . إنه لم يجئ ليكون كتاب متاع عقلي ،ولا كتاب أدب وفن . ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاح حياة . منهاجًا إلهيًّا خالصًا . وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا . يتلو بعضه بعضًا :


{ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء :106]

لم ينزل هذا القرآن جملة ، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة ، ووفق النمو المطَّرِد في الأفكار والتصورات ، والنمو المُطَّرِد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية - وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم ، وتصور لهم ما هم فيه من الأمر ، وترسم لهم منهج العمل في الموقف ، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك ، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم ، وتعرِّفُه لهم بصفاته المؤثرة في الكون ، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى ، تحت عين الله ، في رحاب القدرة . ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم ، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم .

إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول . ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه . وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملاً أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد .

هناك عامل ثالث جدير بالانتباه والتسجيل .

3 – العزلة الشعورية بين المسلم وماضيه :

لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية . كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدا جديدًا ، منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية . وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف ، الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام ! وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد ، فإذا غلبته نفسه مرة ، وإذا اجتذبته عاداته مرة ، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة . . شعر في الحال بالإثم والخطيئة ، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه ، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني .

كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماض المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه ، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية ، فهو قد انفصل نهائيًا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية . حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي ، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر .

وكان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية ، وعُرْفُها وتصورها وعاداتها وروابطها ، ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود . وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد ، بقيادته الجديدة ، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته بل تبعيته .

وكان هذا مفرق الطريق ، وكان بدء السير في الطريق الجديد ، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي ، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه . ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة ، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى الجاهلي عليه ولم يعد لضغط ا لتصور الجاهلي ، ولا لتقاليد المجتمع من سبيل .

نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم . كل ما حولنا جاهلية . . تصورات الناس وعقائدهم ، عاداتهم وتقاليدهم ، موارد ثقافتهم ، فنونهم وآدابهم ، شرائعهم وقوانينهم . حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ، ومراجع إسلامية ، وفلسفة إسلامية ، وتفكيرا إسلاميًا . . هو كذلك من صنع هذه الجاهلية !!

لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا ، ولا يتضح في عقولنا ، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة .

فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها . لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال ، النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة . نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق ، وجود الله سبحانه .. ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة ، وقيمنا وأخلاقنا ، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة .

ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل لا بشعور الدراسة والمتاع . نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون ، لنكون . وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع . ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول . إن هدفنا الأول

1) أن نعرف : ماذا يريد منا القرآن أن نعمل ؟

2) ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور ؟

3) كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله ؟

4) كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة ؟

5 - ثم إنه لا بد من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية . . في خاصة نفوسنا . . ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له ، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية . . غير قابل لأن نصطلح معه .

6 ) إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولاً لنغير هذا المجتمع أخيرًا .

7 ) إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع . مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه . هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي ، وبالتصور الإسلامي ، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش .

8 ) إن أولى الخطوات إلى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته ، وألا نعدِّل في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق .كلا ! إننا وإياه على مفرق الطريق ، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق !

وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة ، وستفرض علينا تضحيات باهظة ، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي ، ونصره على منهج الجاهلية .

وإنه لمن الخير أن ندرك دائمًا طبيعة منهجنا ، وطبيعة موقفنا ، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد . .

شهيد القرآن سيد قطب رحمه الله ورضي عنه ، وألحقنا به في الصالحين آمين