ومما ورد في حب الله

ومما ورد في حب الله تعالى :

قال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.

وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.

وفي بعض الكتب: عبدي أنا -وحقك - لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال يحيى بن معاذ:

إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتَهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك وأنا صغير، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.

وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.


أحب الأعمال إلى الله

( أحب الأعمال إلى الله }
1 - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
2- أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله .
3 - أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله .
4 - أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم .
5- أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور ٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضيً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
6- يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل .
{ هذه الأحاديث من تخريج السيوطي وتحقيق الألباني }

الأحد، 21 ديسمبر 2008

كلام ابن القيم عن القرآن

كلام ابن القيم عن القرآن
واعجبا للنفس كيف جعلت غذاءها من هذه الأراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولم تقبل الإغتذاء بكلام رب العالمين ونصوص حديث نبيه المرفوع أم كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطإ والصواب وخفى عليها ذلك في مطالع الأنوار من السنة والكتاب 0
واعجبا كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها ومقبولها ومردودها وراجحها ومرجوحها وأقرت على أنفسها بالعجز عن تلقى الهدى والعلم من كلام من كلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان وكلام من أوتي جوامع الكلم واستولى كلامه على الأقصى من البيان 0
كلا بل هي والله فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها وحيرت العقول عن طرائق قصدها يربى فيها الصغير ويهرم فيها الكبير 0
وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون والنهاية التي تنافس فيها المتنافسون وتزاحموا عليها وهيهات أين السهى من شمس الضحى وأين الثرى من كواكب الجوزاء وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم وأين الأقوال التي أعلا درجاتها أن تكون سائغة الإتباع من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذر من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها
ويتبصر وأين المذاهب التي إذا مات أربها فهي من جملة الأموات من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسموات
سبحان الله ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا
درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها وأفلتت كواكبه النيرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها
خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا مالك عندنا من عبور وإن كان ولا بد فعلى سبيل الإجتياز أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان له السكة والخطبة وماله حكم نافذ ولا سلطان المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والمقلد للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول وأهل الكتاب والسنة المقدمون لنصوصها على غيرها جهال لديهم منقوصون . ( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ) .
حرموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول
وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم أسبابها أحوج ما كانوا إليها حتى إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ما قدموه 39 48 وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون وسقط في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه
فياشدة الحسرة عند ما يعاين المبطل سعيه وكده هباءا منثورا وياعظم المصيبة عند ما يتبين بواراق أمانيه خلبا وآماله كاذبة غرورا فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يوم تبلى السرائر وما عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال أو يتخلص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال أو بالإشارات والشطحات وأنواع الخيال 0
هيهات والله لقد ظن أكذب الظن ومنته نفسه أبين المحال وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله على غيره وتزود التقوى وائتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم .

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2008

تدبر معي سورة طه

· لماذا لم يرد في سورة ( طه ) في هذا المقطع{ ولى مدبرا ولم يعقب }
والجواب : لأن السياق هنا يعبر هنا عن الأمن والطمأنينة .
· لماذا خص الصلاة من دون سائر العبادات ؟ : { وأقم الصلاة لذكري } ؟ .
لأن الصلاة أكمل صورة من صور العبادة ، وأكمل وسيلة من وسائل الذكر ، لأنها تتمحض لهذه الغاية ، وتتجرد من كل الملابسات الأخرى؛ وتتهيأ فيها النفس لهذا الغرض وحده ، وتتجمع للاتصال بالله .
· ( فلما أتاها نودي : يا موسى إني أنا ربك . فاخلع نعليك . إنك بالواد المقدس طوى . وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى . إنني أنا الله لا إله إلا أنا ، فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) .
ما مدلول الآيات ؟ .
الجواب : إن القلب ليخشع ، وإن الكيان ليرتجف . وهو يتصور مجرد تصور ذلك المشهد . . موسى فريد في تلك الفلاة . والليل دامس ، والظلام شامل ، والصمت مخيم . وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور . ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء : { إني أنا ربك فاخلع نعليك . إنك بالوادِ المقدس طوى وأنا اخترتك . . } .
إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار . الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات . ويتلقى . يتلقى ذلك النداء العلوي بالكيان البشري . . فكيف؟ كيف لولا لطف الله؟ .
إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها وتكبر ممثلة في موسى عليه السلام فبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة . وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال على نحو من الأنحاء . . كيف؟ لا ندري كيف! فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم ، إنما قصاراه أن يقف مبهوتاً يشهد ويؤمن! .
· وما مدلول بناء الفعل للمجهول في قوله سبحانه : ( نودي ياموسى ) .
نودي بهذا البناء للمجهول؟ فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه . ولا تعيين صورته ولا كيفيته . ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه . . نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة ما . فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه ، ولا نسأل عن كيفيته ، لأن كيفيته وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان .
· ألهم الله – تعالى – موسى عليه السلام أن المقصود وظيفة العصا لا ماهيتها , فذكر كل ما يعرف من وظائفها ؛ ليعلمه الله تعالى – عن وظيفة لم تخطر له على بال : أن تكون حية تسعى ! أن تكون آية من آيات الله يؤيده الله بها .
· لماذا سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل كل هذه الأسئلة ؟ .
والجواب أنه كان في جو أشعره فيه ربه تعالى بالأنس والتكريم والحفاوة .
فما له لا يسأل الله كل ما من شأنه أن يعينه على مهمته الشاقة .
· ( كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا إنك كنت بنا بصيرًا ) .
كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ؛ ولكن ليتخذ ذلك كله مساعداً له ولأخيه على التسبيح الكثير والذكر الكثير والتلقي الكثير من السميع البصير . . وهو تفسير لقوله تعالى – في أول السورة : ( فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) ثم إن الأمر بالدعوة جاء لاحقًا ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) .
إنك كنت بنا بصيرا : تعلم حالنا وتتطلع على ضعفنا وتعلم حاجتنا إلى العون والنصر .
ثم إن المقام هنا مقام حمد على نعمة الاختيار والاصطفاء والرسالة فكان من المناسب أن يقول : كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا ) .
لقد أطال موسى سؤله ، وبسط حاجته ، وكشف عن ضعفه ، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير . وربه يسمع له ، وموسى ضعيف في حضرته ، ناداه وناجاه . فها هو ذا الكريم المنان لا يُخجل ضيفه ، ولا يرد سائله ، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة .
· وما مدلول قوله سبحانه : ( ولقد مننا عليك مرة أخرى ) ؟ .
أي أن المنة قديمة ممتدة مطردة ، سائرة في طريقها معك منذ زمان . فهل تنقطع بعد التكليف ؟
· أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ) ما علاقة الآيات الكريمة بقوله تعالى بعدها : ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) 0
والجواب : حركات كلها عنف وكلها خشونة . . قذف في التابوت بالطفل . وقذف في اليم بالتابوت . وإلقاء للتابوت على الساحل . . ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل . من يتسلمه؟ { عدو لي وعدو له } .
وفي زحمة هذه المخاوف كلها . وبعد تلك الصدمات كلها . ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟
{ وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } !!!
يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعاً تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج . وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء؛ ولو كان طفلاً رضيعاً لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول . .
إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد . مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير ، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف . . والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف ، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة ، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال : { ولتصنع على عيني } . . وما من شرح يمكن ان يضيف شيئاً إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب : { ولتصنع على عيني } وكيف يصف لسان بشري ، خلقاً يصنع على عين الله؟
إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه . . إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية . فكيف بمن يصنع صنعًا على عين الله؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه .
ولتصنع على عيني . تحت عين فرعون عدوك وعدوي وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع . ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني ألقيت عليك محبة مني . ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني .
ولم أحطك في قصر فرعون ، بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف . بل جمعتك بها وجمعتها بك 0
· وما مدلول : { قال : قد أوتيت سؤلك يا موسى } ؟ .
سرعة إنجاز الإجابة في الحال .
· وما مدلول ( يا موسى ) ؟ . ج / ................
وفيها مع الإنجاز ( سرعة الإجابة في الحال ) عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه : { يا موسى } وأي تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد؟ 0
· وما مدلول الآيات من 37 إلى 41 ؟ .
وإلى هنا كفاية وفضل من التكريم والعطف والإيناس . وقد طال التجلي؛ وطال النجاء؛ وأجيب السؤل وقضيت الحاجة . . ولكن فضل الله لا خازن له ، ورحمة الله لا ممسك لها . فهو يغمر عبده بمزيد من فضله وفيض من رضاه ، فيستبقيه في حضرته ، ويمد في نجائه وهو يذكره بسابق نعمته ، ليزيده اطمئئنانًا وأنسًا بموصول رحمته وقديم رعايته . وكل لحظة تمر وهو في هذا المقام الوضيء هي متاع ونعمى وزاد ورصيد .
· بعض القرآء يقف على (... ياموسى .....) ويقطعها عما قبلها . فما المعنى إذن ؟
· ( ثمم جئت على قدر ...... ياموسى ...) .
أي : ياموسى أنا معك أؤيدك وأرعاك وأنصرك , يا موسى كن مطمئئا على نجاح مهمتك ,ياموسى حسبك أن الله معك .
وفيها أيضا :أن موسى لم يأت ولكن جيء به !! في الوقت الذي قدره الله , و للمهمة التي قدرها الله وحده .
· { واصطنعتك لنفسي } خالصًا مستخلصًا ممحضًا لي ولرسالتي ودعوتي . . ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا . إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها . فما لك في نفسك شيء . وما لأهلك منك شيء ، وما لأحد فيك شيء . فامض لما اصطنعتك له .
( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرًا ) ما علاقة الآية بأول السورة ؟ .
بدأت السورة بالحديث عن القرآن ، وأنه لم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليشقى به أو بسببه . ومن القرآن قصة موسى عليه السلام وما يبدو فيها من رعاية الله وعنايته بموسى وأخيه وقومه .
فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته ، وعاقبة من يعرض عنه . ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة ، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى ، وتخشع الأصوات للرحمن ، وتعنو الوجوه للحي القيوم . لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس ، ويذكرها بالله ويصلها به . . وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول صلى الله عليه وسلم من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه ، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه ، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه . إنما يطلب من ربه أن يزيده علماً .
ما المقصود بقوله سبحانه : ( وقد آتيناك من لدنا ذكرًا ) ؟ .
كذلك القصص الذي أوحينا إليك بشأن موسى نقص عليك من أنباء ما قد سبق . نقصه عليك في القرآن ويسمى القرآن ذكراً ، فهو ذكر لله ولآياته ، وتذكير بما كان من هذه الآيات في القرون الأولى
{ فاصبر على ما يقولون ، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى . وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } . .
فيها من المعاني : الأول : أن التسبيح معين على الصبر وعلى تحمل الأذى .
الثاني : أن الذكر والاتصال بالله تعالى ينقل المرء من الصبر إلى مرتبة الرضى .
الثالث : أن التسبيح والذكر مطلوب في معظم أوقات اليوم والليلة .
الرابع : أن يستغني بوصاله بربه عن الدنيا ومتاعها الفاني , و التي يغرق فيها أصناف من الناس .
الخامس أن التعبير بالزهرة : عاجلها حسن المنظر وجمال الرائحة , وعاقبتها سرعة الذبول والزوال .
السادس : { لنفتنهم فيه } فنكشف عن معادنهم ، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع .
شعبان شحاته

الاثنين، 24 نوفمبر 2008

الطريق إلى الإيمان

المحاضرة الثالثة
الطريق إلى الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين , سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
إذا كنا قد عرفنا أهمية الإيمان وضرورته , فأين الطريق إليه ؟ وأين أضع خطاي لأتجه نحوه , وأسرع إليه ؟. وما الذي أبدأ به ؟ .
تقديم :
أولا : تعريف الإيمان :
الإيمان بالفكرة : اقتناع العقل بها مع تجاوب المشاعر والعاطفة واستقرارها في القلب .
وقد يشمل الإيمان أي فكرة باطلة أو صحيحة .
قال الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) النساء .
{وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }النحل72 .
وبعد ..
فإن أمامنا أربع نقاط لابد أن نذكرها قبل أن نجيب على السؤال المطروح : بماذا نبدأ؟ .
وهذه النقاط الأربع هي :
الإيمان محله القلب , العلاقة بين الأعمال الصالحة وزيادة الإيمان , التأثر إما لحظي وإما دائم , العمل على بناء الإيمان في كل المقامات .
أولاً : الإيمان محله القلب :
فالقلب مجمع المشاعر ومركزها داخل الإنسان .
يقول الله عز وجل : {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ ...}الفتح 4 .
وقال سبحانه : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ...}الحجرات 14 .
وتجد كذلك : وجلت قلوبهم , اطمأنت قلوبهم , اشمأزت قلوبهم . وكلها مشاعر وكلها مرتبطة بالقلب .
وفي الحديث الشريف , عن أنس – رضي الله عنه – ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله , وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) تخريج السيوطي .وفي صحيح الجامع عند الألباني .
والحب والكره - وهي المشاعرالمكررة في الحديث - محلها القلب .
الفرق بين الاقتناع بالفكرة والإيمان بها :
الاقتناع بالفكرة , أمر عقلي .
والإيمان بها قلبي وعقلي معًا .
فالإنسان قد يقتنع بالفكرة لكنه لا يؤمن بها . ({وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ... ) 57 القصص . فهم يعترفون أن دينه هو الهدى ؛ لكنهم لم يؤمنوا .
والقلب محل الإيمان وهو أيضًا محل الهوى .والصراع بين داعي الإيمان وداعي الهوى مستمر حتى يغلب أحدهما .
ولكن إذا غلب أحدهما فليس معنى ذلك أن يتخلى الآخر عن الصراع ؛ فيبقى ضرورة إمداد الجانب الإيماني في القلب باستمرار .
وإذا أردنا أن نضرب المثل على ذلك نقول :
إذا كان المرء يقوم الليل ويحافظ على ذلك , فجانب الهوى عنده أضعف .
وإذاكان يطلق بصره في محارم الله بلا مراعاة لحرمات الناس ؛ فجانب الهوى عنده أقوي .
وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن , ولا يشر الخمر حين يشريها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد ) تخريج السيوطي . تحقيق الألباني حديث رقم : 7706 في صحيح الجامع .
ومعنى ذلك أنه يكون في أضعف مستويات الإيمان , عند ارتكابه لهذه الآثام .
وسلوك المؤمن نتيجة لإيمانه , فمن أراد أن ينتج عنه سلوك صحيح يعينه على تحقيق المطلوب منه شرعًا ؛ فلابد أن يكون داعي الإيمان في قلبه أشد من داعي الهوى .
ثانيًا : العلاقة بين العمل الصالح وزيادة الإيمان :
مما لا شك فيه أن هناك حلقة مفقودة بين العبادات وأثرها . فكيف نعود بأنفسنا إلى رحاب الحياة الكريمة في ظلال طاعة مخبتة , وذكر خاشع ؛ تثمر إيمانًا متقدًا , وقلبًا حيًا ينبض بحب الله , ويؤثره على من سواه ؟ .
وإذا طرح هذا السؤال : متى أعرف أن الإيمان قد زاد ؟ .
والجواب : يزيد الإيمان إذا حدث تأثر في القلب .
فلحظات التأثر هي لحظات زيادة الإيمان . فالخشوع في الصلاة تأثر , والذكر باللسان مع حضور القلب تأثر , وانعقاد النية في الإنفاق , وزيارة المقابر للاعتبار والاستغفار للموتى كل ذلك تأثر يرتفع به الإيمان , ويعلو به مقام الإنسان .
أما إذا لم يحدث تأثر في القلب فلن يزيد الإيمان .
ولهذا فإن الإيمان ينقص بالمعصية, ولا يزيد بالطاعة إلا إذا كانت مؤثرة .
فالرجل يسبح كثيرًا ولكن قلبه غير حاضر , وعقله غير مفكر .فهذه طاعة ولكن تأثيرها ضعيف .
وحكى لي أخي أن رجلا كان يسبح بالمسبحة ومر عليه آخر , فقال له : مساء الخير . فقال : مساء النور . ثم وجد الرجل أنه بعد فترة من الوقت , يمرر حبات المسبحة بين يديه وهو يقول : مساء النور مساء النور ! فليس كل تسبيح نافع للقلب .
وبالعكس , فإن الشعور بالرضا , بالفرح , بالطمأنينة , بالخوف , كل هذا تأثر يعود بالفائدة العظيمة على القلب .
وقد يكون لهذا التأثر نتيجة : فالبكاء بسبب الخوف , والضحك دافعه الفرح , ووجل القلوب نتيجة للذكر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) }الأنفال .
ورجل يُدرّس العقيدة وتَعرض له مشكلة , فتتملكه الحيرة , ولا يدري ماذا يفعل , ويبدو محزونًا كئيبًا , فيمر عليه رجل أمي , فيقول له : ( زعلان ليه ياعم الشيخ ؟ قل يارب , هونها تهون ) .
فيعود مدرس العقيدة إلي نفسه معاتبًا : أين أنا من الله ؟ لماذا لا أسأل الله عن حاجتي ؟ لماذا لم ألجأ إليه ؟ . أليس اللجوء إلى الله من مسائل العقيدة ؟ . ({أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62 .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ) إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ... ) حققه الألباني برقم : 7957 في صحيح الجامع .
فالرجل يدرس العقيدة بطريقة عقلية مجردة لا يتفاعل القلب معها ولا يتأثر بها .
أما إذا خالطت القلب , وتأثر بها كان لها نتائج عظيمة . فعندما سأل هرقل أبا سفيان بن حرب وهو يحدثه عن النبي – صلى الله عليه وسلم - : ألم يرتد أحد من أصحابه سخطة لدينه ؟ قال : لا . قال : كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب .
والهدف من التخلق بالإيمان وتعاليم الإسلام هو إيجاد الإنسان الصالح , الذي يكون باطنه خيرًا من ظاهره , والذي تقربه الطاعات من الله , ويزداد بها إيمانًا .
مثال : رجل نزل من القطار في غير محطته فوجد امرأة طردها زوجها فساعدها وأعانها فتأثر كثيرًا بمسألة القضاء والقدر .
وآخر فكر في أمره , ونظر في شأنه , فوجد أنه ما من أحد ٍ يصاحبه إلا وجد منه أذى , أو مضايقة . سواء كان أحد الوالدين , أو الزوجة أو الولد أو إخوانه في الدعوة ؛ فقال : لكي يعلم الإنسان أن هناك طرفًا واحدًا لا يجد الإنسان منه إلا الرحمة والغفران , والعفو والرزق , إنه الله !! .
ينعم عليك فلا تشكر , ومع ذلك لم يقطع عنك الآلاء. يبتليك فلا تصبر و لم يدم عليك البلاء . ينتظر التائبين – وهو الغني عنهم – ويحب الأوابين – وهم أحوج الناس إليه .
{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25 )وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } 26الشورى .
فلماذا لا أكون مع الله دائمًا ؟ .
والعمل الصالح يكون بالجوارح , أما الإيمان فنتيجة لأعمال القلوب .
و القفز على الأعمال الصالحة قفزًا لا يزيد الإيمان بالضرورة .
فقد أسلفنا القول بأن العمل الصالح إذا لم يُحدث التأثير المناسب في القلب فلن يزيد به الإيمان .
ومن هنا يمكن القول بأن الإيمان بذرة والعمل الصالح ماء يرويها .
وإذا وجدالإيمان فإنه يدفع للعمل , أي أن العمل الصالح ترجمة للإيمان . ولا تعارض في ذلك .
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }الأنعام158
يقول الشيخ سيد قطب – رحمه الله – في تفسير هذه الآية :
والله سبحانه يقول لهم : إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده . . وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولاعمل . . لنفس لم تؤمن من قبل ، ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها . فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام .( في ظلال القرآن ) .
فالإيمان موجود , ولكنه لم يكسب فيه خيرًا , لم يعمل عملا صالحاً .
ومثال ذلك : إذا كنت تحب المرء , ولكن هذا الحب لم يترجم في هدية , أو زيارة , أو ماشابه ذلك ؛ فلم تكسب خيرًا في هذا الحب .
ولكن أيهما يكون أولا , الإيمان أم العمل الصالح ؟ .
الثابت هنا أن الإيمان سابق والعمل الصالح لاحق بعده , يقويه ويغذيه .
وكان ابن عمر يقول : تعلمنا الإيمان، فلما تعلمنا القرآن زدنا إيمانًا .
والشعور بالندم , شيء في القلب يدفع بالتالي للاستغفار . والشعور بالامتنان تجاه الله بسبب نعمه الكثيرة إحساس قلبي , يعبر الإنسان عنه بالحمد باللسان وبالشكر بالجوارح والأركان .
ودخول الانتخابات , والأعمال والتكليفات التي تستدعيها من الأفراد , مع وجود النية الصالحة يزيد بها الإيمان , والذي لم يشترك – بسبب مرضه – مع وجود النية لديه , لا يكون مثل إخوانه في زيادة الإيمان , وإن كان قد حصّل الأجر بالنية .
والإسلام بدأ مشاعر ثم شعائر ثم شرائع .
ومن هنا نقول : لا يكن همك العمل الصالح فقط . وليكنْ همك أولا : كيف أحب الله , كيف أخافه وأرجوه , وأتوكل عليه , وأثق في وعده ونصره .هذه المشاعر بلا شك ستقودك إلى أصناف الأعمال الصالحة .
ثالثًا التأثر إما لحظي وإما دائم :
وثمة أمران يذكران مع زيادة الإيمان :
الأول : أن زيادة الإيمان قد تكون لحظية و يسمونها بالحال , ومثالها : رجل زار المقابر فتأثر , أو رأى حادث سيارة مات فيه أحد الناس فتأثر , أو رأى منظر البركان , أو الأعاصير, ونحو ذلك . كل هذا تأثير لحظي لاينفع وحده ما لم يكن من خلال منظومة عبادات مؤثرة متواصلة . ونحن نريد أن يتوهج الإيمان ويدوم , ولا نقف بأنفسنا عند مجرد مواقف عابرة .
الثاني :
أن زيادة الإيمان متفاوتة من شخص لآخر ومثال ذلك :
رجل زاد إيمانه فبدأ يصلي في البيت ولم يكن من قبل يصلي .
وآخر زاد إيمانه , فبدأ يصلي الصلوات كلها في جماعة حتى صلاة الفجر .
وثالث زاد إيمانه فأصبح يحافظ على قيام الليل بيسر و سهولة .
* فإذا استمر تأثير الإيمان فهو مقام . وإذا كان التأثر ضعيفًا متقطعًا فهو حال .
ويُؤمر أبو بكر – رضي الله عنه – ليصلي بالناس , فتقول السيدة عائشة – رضي الله عنها – إنه رجل أسيف , لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن . فهذا مقام عنده , وأثر دائم لديه .
فنحن نحب الأبناء , ونحب المال , ونحب أن يكون مظهرنا طيبًا , وغير هذا . لا بأس . بشرط أن يكون كل ذلك أقل من خمسين في المئة , فلا تكون هذه الأشياء هي الغالبة في قلب المرء .
فحب الله أكثر وتعظيم الله أجل في قلب المؤمن . ({وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) البقرة 165 .
* رابعًا : الإيمان يحتاج البناء في كل المقامات , فلا يزيد في جانب وينعدم أو ينقص في جانب آخر .
وقد يمر الإنسان بمواقف يستدعي أحدها الصبر , وآخر يحتاج الرضا بالقضاء , أو التوكل , أو الحب , أو الخوف ... الخ .
مثال : رجل بكى في صلاته , لأن الإمام صلى بصوت خاشع مؤثر , وبعد انصرافه , لم يجد حذاءه ؛ فصاح وصرخ وأحدث ضجيجًا كبيرًا في المسجد وهو الذي كان يبكي منذ قليل . فهو وإن كان عنده صفة الخوف , التي كان من أثرها هذا البكاء , إلا أنه يحتاج إلى الإيمان بالقضاء والقدر .
ولكن المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له .
فالتقوى جزء من الإيمان , والتوكل جزء من الإيمان , وهكذا.
ونأتي هنا للإجابة عن السؤال الذي طرحناه في عنوان المحاضرة :
من أين نبدأ وبأي شيء نبدأ ؟ .
نبدأ بمصدر تتوفر فيه شروط ثلاثة : أن
1 - يخاطب الفكر ( العقل ) والعاطفة معًا .
2 - ويحول الحال إلى مقام .
3 - ويخاطب كل مقامات الإيمان .
إنه القرآن وحده , لا شيء غيره . ومن هنا نبدأ .
فهو الذي يربي فينا الإيمان ليؤتي ثماره كل حين , يربي فينا الصدق , والشجاعة , والكرم , والعفة ...
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }إبراهيم25 .
فهو يثمر الصدق في موقف الصدق , والتضحية في وقتها , والعفة في حينها . وهكذا يربي القرآن الإيمان في القلب , ويقود صاحبه إلى كل خير .
وهو الشحنة الجبارة التي إذا وصلت القلب أثرت فيه في الحال .
انظر إلى أبي ذر – رضي الله عنه – بمجرد أن سمع القرآن أسلم في الحال وهو جالس في مكانه , وأسيد بن حضير , وسعد بن معاذ , وغيرهم , رضي الله عنهم جميعًا .
وأم أيمن تعلمنا :
عندما ذهب الصديق والفاروق يزورانها , وكانت مثل هذه الزيارة تتم مع النبي – صلى الله عليه وسلم . فلما وصلا عندها ورأتهما بكت ؛ فبكى الصاحبان , فقال لها الصديق : أليس قد لحق بالرفيق الأعلى , والله خير وأبقى ؟ . قالت : إنما أبكي لا نقطاع الوحي عن الأرض !. وهذا فهم أم أيمن ! .
فلكي نحيا بالقرآن ونتأثر به وينهض بنا كما نهض بالأولين ورفع شأنهم وأعلى قدرهم , لا بد أن نعودإلى رحاب القرآن ونحب القرآن ونربط حياتنا ومصيرنا به.
ولكن كيف نعود إليه ؟ كيف نقرأه ؟ .
القراءة تكون بالترتيل , لكي يطرق على المشاعر ويهزها ويتم التأثر بالمعنى : {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }المائدة83 . فكان تأثرهم بالمعني , بما عرفوا من الحق .
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }الفرقان32 .
{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً }الإسراء106 . نزلناه مفرقا على مهل وتؤدة ليفهموه . ( تفسير الجلالين ) .
فالقراءة الهادئة بالترتيل تعين القلب على التدبر ومن ثم تعمل على المشاعر وتُحدث الأثر المطلوب .
إجراءات عملية :
1 - قراءة ساعة في كتاب الله يوميًا .
يسبقها استغاثة وتضرع إلى الله , بأن يعينك على التأثر والتدبر والانتفاع بالقرآن .
أن تقرأ ساعة متصلة غير متقطعة .
أن تكون القراءة بصوت حزين خاشع , في مكان ٍ هادئ , وأن تكون من المصحف , وليس من الذاكرة .
وأن تكون بصوت مسموع , مع إعمال العقل فيما تقرأ .
أن تأخذ المعنى الإجمالي للآيات , وما لم تعرف تفسيره , أخرالبحث عن معناه إلى ما بعد القراءة .
أن تجعل نفسك مخاطبًا بالآيات , وأنت المعني بها .
إذا حدث تأثر بآية , كرر قراءتها حتى ينتهي التأثر .
2- قراءة كتاب : إنه القرآن سر نهضتنا . للدكتور / مجدي الهلالي .
3 – سماع شريط عن الإيمان وأثره لنفس المؤلف .
وعلى الله قصد السبيل .













الجمعة، 14 نوفمبر 2008

أنواع الحج

كيفية الإحرام ومعرفة الأفضل من الإفراد والتمتع والقران
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وبعد ....
اعلم أن المحرم إما أن يريد بإحرامه الحج فقط وحينئذ يسمى مفردًا .
وإما أن يريد العمرة أولا ، ثم يتحلل ، ثم يحرم بالحج في نفس العام ، ويسمى متمتعا ، وسبب التسمية أنه أخذ فرصة تمتع فيها بالتحلل من الإحرام ، بين ، العمرة والحج .
وإما أن يريد القران ، وهو الجمع بين ، العمرة والحج في إحرام واحد ، بحيث لا يتحلل إلا بعد الانتهاء من أعمال العمرة .
وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة : الإفراد والتمتع والقران .
والإفراد : أن يحرم بالحج في أشهره ، ويفرغ منه ، ثم يعتمر بعده أو لا يعتمر..
والتمتع : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ، ثم يحرم بالحج في نفس العام...
والقران : أن يحرم بهما معا ويتمم عملهما بدون تحلل حتى ينتهي من الحج...
ويعتبر قارنا أيضا من أحرم بالعمرة ابتداء وقبل أن يطوف لها نوى الحج معها .
وكل مسلم مخير بين التمتع والإفراد والقران ، يفعل أيها شاء فرضا كان أو نفلا ، وقد دل على ذلك قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج متفق عليه فذكرت التمتع أولا ، ثم القران ثم الإفراد .
واختلف الصحابة ومن بعدهم من التابعين والمتأخرين في الأفضل من الثلاثة 0
فالتمتع اختاره ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة وأحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي 0
وذهب جمع من الصحابة والتابعين وأبو حنيفة وإسحاق ، ورجحه جماعة من الشافعية ، منهم النووي والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي وتقي الدين السبكي إلى أن القران أفضل .
وذهب جماعة من الصحابة ، وجماعة ممن بعدهم وجماعة من الشافعية وغيرهم ، ومن أهل البيت : الهادي والقاسم والإمام يحيى وغيرهم إلى أن الإفراد أفضل .
واختلافهم هذا ناشئ - والله أعلم - عن اختلافهم في : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قارنا أو كان متمتعا أو كان مفردا ؟ فقد قيل بكل واحد منها .
وهل إخباره صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع بأنه لولا سوقه الهدي لتمتع - كان لتفضيل التمتع على القران ، أو كان جبر خاطر للمتمتعين ، الذين حزنوا لأنهم لم يقرنوا كما قرن النبي صلى الله عليه وسلم حسب فهمهم ؟ .
والخلاصة : أن منهم من فضل التمتع , وأتبعه القران في الأفضلية , ثم الإفراد . ومنهم من قال غير ذلك 0
والله أعلم .
وكيفية النطق بالإحرام أن يقول بعد أن ينوي بقلبه العمرة ، أو الحج ، أو هما معا :
اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني... إن كان متمتعا .
أو يقول : اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني... إن كان مفردًا .
أو يقول : اللهم إني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني إن كان قارنا .
ثم يلبي بعد ذلك مباشرة بإحدى الصيغ الواردة في التلبية .
وعلى الله قصد السبيل .
جمع المادة / شعبان شحاته .

وجاء دور الشعوب والعلماء

وجاء دور الشعوب والعلماء ؟ .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
وبعد ....
أصبح مؤكدًا لكل ذي عينين يرى , ولكل ذي أذنين يسمع - أن حكام العرب والمسلمين معظمهم – ألقوا بقضايا المسلمين خلف ظهورهم , وطرحوا مطالب بلادهم تحت أقدامهم .
وصاروا واقعين تحت ضاغطين الأول : مطالبهم الشخصية , والثاني ضغوط خارجية . والثاني مترتب على الأول .
فسقطت أوراق أوطانهم من بين أيديهم , فهم عنها ذاهلون , وإلى آمالهم يتطلعون . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
يرى المواطن مأساة إخوانه في غزة , المخابز مغلقة , والدواء ممنوع , والمستشفيات تعاني , والمرضى يئنون .
ولا يملك هذا المواطن لإخوانه شيئا ؛ تمنعه الحدود , وتحجزه السدود . تمتلئ صدورنا همًا وغماوكمدًا ولا نستطيع أن نتحرك ولا حتى نحتج ولا نجمع لهم مالا !!.
ومما يزيد الطين بلة أن ترى زعماءنا , يلتقون بأعدائنا على أرضنا بالترحيب والإكرام , وعلى غير أرضنا , لماذا ؟ خجلا للمقدسات والحرمات أن تدنسها الأقدام .
نكس ابني رأسه لما رأى ( شيمون بيريز ) في مصر يقابل بالحفاوة البالغة على أرض الكنانة , منطلق قطز وصلاح الدين !!
وعضت البنات أناملهن لما رأوا مؤتمر الأديان , الذي دعا إليه المسلمون , ودعوا عدو الله وعدو المسلمين الذي يحاصر إخواننا في فلسطين بمساعدة الحكام العرب أحيانا , وسكوتهم الخانع , وقبضهم يد المساعدة والعون .
إنهم لم يتحركوا من سقوط الشهداء , وانتشار الأشلاء , وتعطيل المستشفيات وانقطاع الكهرباء .
وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فما العمل إذن يا عباد الله ؟ .
ننتظر أن ينصر ( أوباما ) قضيتنا , أو نصبر حتى يستحيي حكامنا , وتستيقظ ضمائرهم في الوقت الذي نعاني فيه من ظلمهم وطغيانهم , وفشو
الغلاء وانتشار الداء , وتكميم الأفواه , وتكسير الأقلام , وتغيير الدساتير , وسن القوانين التي تعلي من شأن الفساد والطغيان, وتحط من شأن
المواطن وحريته , وكرامته ؟ .
إنه دور المواطن ... دور الشعوب .... دور النخب المؤثرة .... أن تتضافر الجهود , وتُشد السواعد وترص الصفوف ؛
لتغيير هذا الواقع الأليم .
أصلحوا السياسة والقانون , واعملوا على إصلاح اقتصادنا , والقوانين التي تنظم شؤون المجتمع حتى يصير الفرد حرًا في بلاده يقول مايريد ويعبر عن رأيه كما يشاء .
يعيش حياة كريمة كما يعيش غيرنا على هذه المعمورة .
وليبدأ كل منا بإصلاح نفسه وأهل بيته وذويه , فالمسألة إيمانية بالدرجة الأولى .
وسلوك طريق الإصلاح يكون بالوسائل الحكيمة ؛ كما دعانا إلى ذلك ديننا الحنيف , و حرصًا على سلامة مجتمعنا , وهكذا كانت مسيرة الدعوة من قبل , وستظل كذلك بإذن الله تعالى .
وللعلماء دور , دور عظيم للغاية {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ... ) . آل عمران 187 .
وقد جاءت أهمية دورهم بعد أن فسد الأمراء , وتسلط الحكام وكثر المنافقون , والقابضون من جيوب عدونا , والطاعمون على موائدهم .
وكلما اقترب هذا المجتمع وعلماؤه من الله وقويت صلته بربه عز وجل فإن فرصة تحقيق آمالنا ستقترب وتدنو ( و َيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً }الإسراء 51 .
( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) يوسف .
شعبان شحاته .
Hudahuda2007@yahoo.com

وجاء دور الشعوب والعلماء

وجاء دور الشعوب والعلماء ؟ .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
وبعد ....
أصبح مؤكدًا لكل ذي عينين يرى , ولكل ذي أذنين يسمع - أن حكام العرب والمسلمين معظمهم – ألقوا بقضايا المسلمين خلف ظهورهم , وطرحوا مطالب بلادهم تحت أقدامهم .
وصاروا واقعين تحت ضاغطين الأول : مطالبهم الشخصية , والثاني ضغوط خارجية . والثاني مترتب على الأول .
فسقطت أوراق أوطانهم من بين أيديهم , فهم عنها ذاهلون , وإلى آمالهم يتطلعون . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
يرى المواطن مأساة إخوانه في غزة , المخابز مغلقة , والدواء ممنوع , والمستشفيات تعاني , والمرضى يئنون .
ولا يملك هذا المواطن لإخوانه شيئا ؛ تمنعه الحدود , وتحجزه السدود . تمتلئ صدورنا همًا وغماوكمدًا ولا نستطيع أن نتحرك ولا حتى نحتج ولا نجمع لهم مالا !!.
ومما يزيد الطين بلة أن ترى زعماءنا , يلتقون بأعدائنا على أرضنا بالترحيب والإكرام , وعلى غير أرضنا , لماذا ؟ خجلا للمقدسات والحرمات أن تدنسها الأقدام .
نكس ابني رأسه لما رأى ( شيمون بيريز ) في مصر يقابل بالحفاوة البالغة على أرض الكنانة , منطلق قطز وصلاح الدين !!
وعضت البنات أناملهن لما رأين مؤتمر الأديان , الذي دعا إليه المسلمون , ودعوا عدو الله وعدو المسلمين الذي يحاصر إخواننا في فلسطين بمساعدة الحكام العرب أحيانا , وبسكوتهم الخانع , وقبضهم يد المساعدة والعون .
إنهم لم يتحركوا من سقوط الشهداء , وانتشار الأشلاء , وتعطيل المستشفيات وانقطاع الكهرباء .
وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فما العمل إذن يا عباد الله ؟ .
ننتظر أن ينصر ( أوباما ) قضيتنا , أو نصبر حتى يستحيي حكامنا , وتستيقظ ضمائرهم في الوقت الذي نعاني فيه من ظلمهم وطغيانهم , وفشو
الغلاء وانتشار الداء , وتكميم الأفواه , وتكسير الأقلام , وتغيير الدساتير , وسن القوانين التي تعلي من شأن الفساد والطغيان, وتحط من شأن
المواطن وحريته , وكرامته ؟ .
إنه دور المواطن ... دور الشعوب .... دور النخب المؤثرة .... أن تتضافر الجهود , وتُشد السواعد وترص الصفوف ؛
لتغيير هذا الواقع الأليم .
أصلحوا السياسة والقانون , واعملوا على إصلاح اقتصادنا , والقوانين التي تنظم شؤون المجتمع حتى يصير الفرد حرًا في بلاده يقول مايريد ويعبر عن رأيه كما يشاء .
يعيش حياة كريمة كما يعيش غيرنا على هذه المعمورة .
وليبدأ كل منا بإصلاح نفسه وأهل بيته وذويه , فالمسألة إيمانية بالدرجة الأولى .
وسلوك طريق الإصلاح يكون بالوسائل الحكيمة ؛ كما دعانا إلى ذلك ديننا الحنيف , و حرصًا على سلامة مجتمعنا , وهكذا كانت مسيرة الدعوة من قبل , وستظل كذلك بإذن الله تعالى .
وللعلماء دور , دور عظيم للغاية {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ... ) . آل عمران 187 .
وقد جاءت أهمية دورهم بعد أن فسد الأمراء , وتسلط الحكام وكثر المنافقون , والقابضون من جيوب عدونا , والطاعمون على موائدهم .
وكلما اقترب هذا المجتمع وعلماؤه من الله وقويت صلته بربه عز وجل فإن فرصة تحقيق آمالنا ستقترب وتدنو ( و َيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً }الإسراء 51 .
( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) يوسف .
شعبان شحاته .
Hudahuda2007@yahoo.com

الجمعة، 7 نوفمبر 2008

الربانية.. زادنا وسبيلن

الربانية.. زادنا وسبيلنا بتاريخ 8 من ذي القعدة 1429هجرية / 6 / 11 / 2008 م
رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله رب العالمين؛ رب كل شيء وهداه، والصلاة والسلام على سيد الدعاة وإمام الأنبياء وسيد المرسلين؛ سيدنا محمد بن عبد الله.. وبعد..

في ظل ما يواجه الإسلام من تحديات في شتى المجالات وعلى جميع المستويات، وما يعتري العالم من تحولات كبرى ستؤثر- بلا شك- على الدعوة والدعاة؛ يظهر سؤال منطقي: ما الحل وما الملجأ لنحافظ على ثوابتنا ونحقق مستهدفاتنا بدون وقوع تأثير سلبي على الدعوة أو الداعية؟

في الحقيقة أنه عندما تشتد الخطوب تتجلَّى في الأفق طاقةٌ من نور الإسلام، تدعو وتذكر الناس بأنه ﴿لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْه﴾ِ (التوبة: من الآية 118)، ولا نجاة إلا باتباع هداه ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية 123)، وإننا لنجد في هذه الأحداث والتحديات فرصةً عظيمةً للتحلي بالربانية؛ بكل معانيها ووسائلها وصورها.. خلقًا وسلوكًا وواقعًا ملموسًا.

لقد كان الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله في غاية الوضوح؛ عندما بيَّن حقيقةَ دعوة الإخوان المسلمين وسموَّ هدفها وغايتها ووسائلها، وأنها دعوة ربانية، وهذا ما نريد أن نؤكده ونرسِّخه في نفوسنا؛ بحيث لا تُنسينا الدنيا- بهمومها وأوهامها- حقيقةَ دعوتنا وطبيعة رسالتنا: "أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية: أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانيةً كريمةً تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصمَّاء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها نحن الإخوان المسلمين لنهتف من كل قلوبنا: "الله غايتنا"؛ فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾ (البقرة:21)، وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعًا، فلم يستطيعوا إلى حلِّها سبيلاً، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح" (رسالة دعوتنا في طور جديد).

من هنا كان عليكم أيها الإخوان المسلمون- وأنتم طليعة هذه الأمة وحاملو لواء دعوتها- التحلي بالربانية والتخلُّق بها، وتحقيقها في أنفسكم؛ لتحققوا صفات العبد الرباني، الذي يتعلم أمر الله ونهيَه، ويعرف شرع الله ووحيَه، فيطبقَه في ذات نفسه، ويدعو غيرَه إليه، ويقوم بعملية الإصلاح في حياة الناس؛ لما فيه خير الناس في عاجلهم وآجلهم، وهكذا يجب أن يكون الفرد من الإخوان المسلمين.. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (آل عمران: من الآية 79).
إذا أردنا أن نصل إلى الربانية التي نطمح إليها فلنحققها في ذواتنا أولاً؛ مستشعرين قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾ (النحل)، وفي بيوتنا.. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: من الآية 87)، وفي مجتمعنا بتحقيق الخلق الفاضل الذي ينهض بالأمة إلى الخيرية التي رسمها لها ربها ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

فالربانية هي الانتساب للرب، وهذا الانتساب لا يتحقق إلا بأن نكون لله رب العالمين في كل أحوالنا؛ فالربانية لا تتأتَّى مكتملةً إلا بهذا؛ بعبادة الله عز وجل بالمفهوم الشامل للعبادة، وهو جعل الحياة والممات والحركات والسكنات له سبحانه؛ فلا ننطق إلا بما يُرضي الله، ولا نعمل إلا ما يرضاه الله، ولا تتوجه نياتنا في تلك الأقوال والأفعال إلا لله.

الربانية أولا : أيها الإخوان المسلمون
ينبغي أن تكون الربانية في قمة أولوياتكم، وأن تعملوا جاهدين على تحقيقها بكل ما أوتيتم من قوة وجهد، فحقِّقوا صفات أولياء الله يكلأْكم بكنفه ويشملْكم بحفظه ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: من الآية 64) ولا يجعل للشيطان عليكم سبيلاً ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الإسراء: من الآية 65) هذا ما نريده وما نسعى إليه، وهو واجب كل فرد على حدته في إطار مسئوليته الفردية ليبذل أقصى جهده في تحقيق موجبات الربانية والعبودية.
واجبات : أيها الإخوان المسلمون
عليكم بإحياء الإيمان داخل نفوسكم.. فالإيمان هو المؤدي لكل ما ينشده الفرد في الدنيا والآخرة، ووسائل تجديد الإيمان وتمكينه في النفس كثيرةٌ ومتعدِّدة، وأهمها إحسان الصلة بالله؛ بإقامة الفرائض، والإكثار من الطاعات والأعمال الصالحة؛ فأقبلوا على الله إقبالاً صادقًا كما جاء في الأثر: "إذا أقبل عليَّ عبدي بقلبه وقالبه أقبلت عليه بقلوب عبادي مودَّةً ورحمة".

واجعلوا اللهَ عزَّ وجلَّ الغاية الأسمى والهدفَ الأعلى لكم، واجعلوه حاضرًا في قلوبكم وأمامكم في كل أعمالكم، وأخلِصوا التوجه له، وأدرِكوا حقيقة ما خلقكم الله من أجله..﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، وحقِّقوا في أنفسكم معنى شعارنا الدائم "الله غايتنا"، وحوِّلوه إلى واقع ملموس.

وعليكم التطلَّع الدائم إلى الدرجات العلا، وأن تجعلوا هدفكم في الحياة هو إرضاء الله عزَّ وجل، والعمل من أجل الفوز بالفردوس الأعلى، وأن تعملوا جاهدين على تحقيق هذه الأهداف السامية لتنالوا رضا الله، واغتنموا كلَّ دقيقةٍ وكلَّ لحظةٍ وكلَّ خلجة قلبٍ، واجعلوها زيادةً في رصيدكم الإيماني ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ( الحشر .

وحقِّقوا الأخوَّة بينكم وطبِّقوها عمليًّا، بدءًا من سلامة الصدر وحتى الإيثار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾ (الحشر)، فنحن نريد الأخوَّة الحقيقية التي تعين على الطاعة والقرب من الله، وتثري العمل وتدفعه للأمام.

إن الربانية هي مُدَد الحياة الإيمانية، فحافظوا على صلاة الجماعة والصف الأول، وخاصةً الفجر، واقرءوا القرآن، واستمعوا إليه، وتدبَّروه، وقوموا بمعانيه، واعلموا أنه لا سير إلى الله بدون قيام الليل فإنه شرف المؤمن وزاده الحقيقي على تحمُّل تبعات الدعوة ومشقاتها فهو وقود الدعوة، واجتهدوا في الدعاء وقت السحَر واغتنام هذه الأوقات الفاضلة، واعلموا أن قيام الليل هو أفضل معين على تحمُّل أعباء النهار ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾ (المزمل)، واشغلوا أوقاتكم بالذكر والتفكر والصيام ونوافل الخير والطاعات، واعملوا جاهدين على التخلص من كل جواذب الأرض التي تعطِّلكم عن أداء رسالتكم، وصلوا أرحامكم، وكونوا بارِّين بأهليكم وذويكم، وأطيعوا الله فيهم، وأعطوا من أنفسكم القدوة الصالحة لدعوتكم ولدينكم، وكونوا لهم بمثابة الواحة التي بها يأنسون.
أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون
إن الربانية هي إصلاحٌ للنفس والمجتمع، فالربانيون استحفظوا كتاب الله، فهم المسئولون أمام الله عن حفظ الشريعة وعن نقلها وتعليمها لعباد الله ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: من الآية 44)، فالرباني يشعر أن الله سيسأله عن الشريعة كلها، وعن هذه البشرية جمعاء؛ لأنه طلب منه أن يحفظ وَحْيَهُ، وحِفْظُ الوحي لا يكون بمجرد حفظه في الأذهان والقلوب، لكنَّ الحفظَ الحقيقي يكون بحملِه رسالةً وحفظِه أمانةً والعملِ بما فيه، ومن هنا كان علينا جميعًا التحلي بالربانية للنجاة بأنفسنا ونصرة ديننا وعودة مجد أمتنا التليد.

وعلينا الحذر من التصورات الخاطئة والهدَّامة، التي تتسلَّل إلى نفوس البعض؛ بأن كثرة المشاغل والأعباء الدعوية والدنيوية تتعارض مع الربانية والروحية وتؤثر فيهما سلبًا، والعكس هو الصحيح تمامًا؛ فهذه الأعمال تزكي الروح وترفع الجانب الإيماني وتُعين على حسن العبادة لله وإنجاز ما يوكل إلينا من أعمال ونحقق ما نستهدف من خطط وبرامج.
وعلينا أن ندرك أنه لن يتحقق أو ينجز أي هدف أو خطة أو عمل بدون إخلاص التوجه لله وجعل العمل كله له سبحانه .
إن أولى خطوات نجاة العالم كله مما يداهمه؛ تكمن في عودتنا للربانية الجادة والحقيقية، والعمل الجاد لنصرة الإسلام ورفعة شأنه، ومن هنا وجب على كل الغيورين والمخلصين للإسلام العجلة والفرار إلى الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)﴾ (الذاريات)، وليكن شعارنا ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84) و"لن يسبقني إلى الله أحد"، والله أكبر ولله الحمد.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم، والحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 22 أكتوبر 2008

التربية الإيمانية ومستهدفاتها

المحاضرة الثانية
التربية الإيمانية ومستهدفاتها .
ذكر الشيخ البنا وسائل عامة للدعوة : الإيمان العميق , والتكوين الدقيق , والعمل المتواصل .
فلماذا الإيمان العميق , أو لماذا التربية الإيمانية ؟ .
1 - إن الإيمان هو الذي يولد الطاقة وهو القوة الدافعة للعمل والجهاد .
يقول البنا في رسالة دعوتنا في طور جديد :
أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية :
أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا ، أن يتعرف الناس إلى ربهم ، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها. نحن الإخوان المسلمين نهتف من كل قلوبنا :
"الله غايتنا" فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) . وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعًا فلم يستطيعوا إلى حلها سبيلاً ، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح .
ويقول في نفس الرسالة : تحت عنوان :
يقظة الروح ـ الإيمان والعزة والأمل
وينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية وألوانها الشكلية ، ويهملون النظر إلى الدوافع النفسية والإلهامات الروحية التي هي في الحقيقة مدد الدعوات وغذاؤها وعليها يتوقف انتصارها ونماؤها . وتلك حقيقة لا يجادل فيها إلا البعيد عن دراسة الدعوات وتعرف أسرارها ، إن من وراء المظاهر جميعًا في كل دعوة روحا دافعة ، وقوة باطنة تسيرها وتهيمن عليها وتدفع إليها ، ومحال أن تنهض أمة بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس والأرواح والمشاعر: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11) .
ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا ، وأهم ما نعول عليه في نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجلة . فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح ، حياة القلوب ، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر ، وليس يعنينا أن نتكلم عما نريد بهذه الدعوة من فروع الإصلاح في النواحي العملية المختلفة بقدر ما يعنينا أن نركز في النفوس هذه الفكرة .
نحن نريد نفوساً حية قوية فتية ، قلوباً جديدة خفاقة ، مشاعر غيورة ملتهبة متأججة ، أرواحاً طموحة متطلعة متوثبة ، تتخيل مثلاً عليا ، وأهدافاً سامية لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل إليها ، ولابد من أن تحدد هذه الأهداف والمثل ، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر ، ولابد من أن تركز حتى تصبح عقيدة لا تقبل جدلاً ولا تحتمل شكاً ولا ريباً . وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذا الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء لا ضوء له ولا حرارة فيه ، فما حدود الأهداف وما منتهاها ؟!
إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولي ونحاول أن تكون هذه الدعوة الحديثة صدي حقيقياً لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها رسول الله r في بطحاء مكة قبل ألف ومئات من السنين ، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة ، الزاهي بجلال الوحي ، لنقف بين يدي الأستاذ الأول وهو سيد المربين وفخر المرسلين الهادين ، لنتلقى عنه الإصلاح من جديد ، وندرس خطوات الدعوة من جديد .
أي نور من وهج الشموس الربانية أشعله النبي الكريم في قلوب صحابته فأشرقت وأضاءت بعد ظلمة و ديجور ؟ وأي ماء من فيض الحياة الروحية أفاضه عليها فاهتزت وربت ونمت فيها الأزاهير وأورقت بالوجدانيات والمشاعر وترعرعت فيها العواطف والضمائر ؟! .
ويقول البنا ( بتصرف واختصار ) : قذف الرسول في قلوب أصحابه بثلاثة أشياء :
الإيمان بعظمة الرسالة . الاعتزاز باعتناقها . الأمل في تأييد الله إياها .
* والرسول – صلى الله عليه – وسلم – يدعو عبد الله بن عمر ليتزود من قيام الليل : ( نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل ) .
* وعباد بن بشر يقوم الليل بسورة الكهف , وهو يحرس المسلمين , وينزع السهام من كتفه , ويكره أن يقطع الصلاة التي استغرق معها بكل مشاعره وكيانه . ولولا خوفه على الرسول - عليه السلام - والصحابة ما قطع الصلاة .
2 - علو المنزلة وتقريب النصر :
مما لا شك فيه أن موازين القوى ستتغير لصالح المؤمنين , وتنصرهم الملائكة , وكلما ازداد إيمانهم جاءهم المدد
والمعلوم أن الأمم الأخرى تنتصر بالتقدم المادي ونحن ننتصر بالإيمان وبقوة الصلة بالله أولا مع عدم إغفال النواحي العلمية والمادية .
وإذا سألت عن الصدر الأول , لماذا انتصروا وسادوا ؟ .
جاءك الجواب : كان فيهم أبو بكر إيمانه يعدل إيمان الأمة , وساق عبد الله بن مسعود الدقيقة أثقل في الميزان من جبل أحد , وأبو عبيدة أمين الأمة , والمبشرون العشرة بالجنة , ولم يكن على الأرض أصدق لهجة من أبي ذر , ومن أنفق كل ماله مثل أبي بكر , وعبد الرحمن بن عوف , ومن أنفق نصف ماله كعمر الفاروق , ومن جهز جيش العسرة , واشترى بئر رومة للمسلمين وهو عثمان , وصهيب الذي ترك ثروته في مكة ولحق بالنبي – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنهم جميعًا .
وقادة الجيوش مثل علي بن أبي طالب والقعقاع , والزبير وعبادة بن الصامت , وعمرو بن العاص , وعكرمة , وأسامة , وسيف الله المسلول .
وفي باب العلم زيد بن ثابت ومعاذ وعبد الله بن عباس , رضي الله عنهم .
ولما نزل قوله تعالى في سورة الأنفال ( الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)) . فلم يكن الضعف نتيجة نقص العدد , كلا , ولكنه نقص الإيمان .
والأمة اليوم في وفرة وفيرة من العدد , ولكننا في قمة الضعف . وفي الحديث : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق ٍ كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قيل : يارسول الله ! فمن قلة ٍ يومئذ ٍ ؟
قال : لا , ولكنكم غثاء كغثاء السيل . يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم , لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت ) . تخريج السيوطي عن ثوبان – رضي الله عنه . وفي صحيح الجامع عند الألباني رقم 8183.
بمعنى أن الأمة لو وضعت في الميزان فلن تحركه ! .
والفاروق عمر يودع سعد بن أبي وقاص – عندما توجه لفتح بلاد فارس – بمثل بهذه الكلمات : يا سعد لا يغرنك أن قيل خال رسول الله , ليس بين الله وبين أحد ٍ نسب إلا بطاعته , وانظر ماكان يفعل رسول الله فافعل مثله وأوصيك أنت ومن معك بتقوى الله , إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده .
ويوم الخندق , بذل المسلمون جهدهم , وفعلوا ما في طاقتهم , فأتاهم النصر المبين , و هزم الله الأحزاب وحده . وكان يومًا مشهودًا في التاريخ .
وعن أثر الإيمان والعمل الصالح :
( انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ؛ قال رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قيلهما أهلا ولا مالا ... فانفرجت الصخرة فحرجوا يمشون ) .تخريج السيوطي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – تحقيق الألباني حديث رقم : 1504 في صحيح الجامع .
* ومحمد الفاتح تربى على العلم والصلاح , والتقوى وأسباب الفلاح ؛ ففتح الله به مئتي مدينة , على رأسها القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية , والتي سماها ( إسلام بول ) أي مدينة الإسلام .
3 – تنمية الوازع الداخلي .
أو تربية الضمير , أو إيجاد الشرطي داخل النفس , يقف لك بالمرصاد كلما أخطأت أوقفك ونبهك وأحيانًا يجلدك .
وهذا أبو بكر الصديق يقيء ما أكل لما علم أن غلامه تكهن بهذا الطعام , وقال : لو أني أعلم أنه لا يخرج إلا بخروج نفسي لأخرجته .
وقصة ماعز والغامدية خير دليل . فلو أنهم تابوا لتاب الله عليهم وسترهم , بدلا من أن يصروا على إقامة الحد عليهم ؛ ولكنه الضمير الحي اليقظان يأبى ذلك , فلا بد من عقاب شديد صارم لهذه النفس ! .
والمسلم يعد أخاه ولا يفي ولا يجد في نفسه لومًا ولا تقريعًا ؛ لأن الشرطي عنده نائم وله شخير ! .
ومثله من يستعير منك كتابًا , ويمر على وعده شهور . وآخر يؤخر سداد الدين , ولا يكلف نفسه أن يعتذر أو يطلب المهلة .
ويتأخر الداعية عن موعده مع المدعوين ولا يحترم وقتهم ولا يكلف نفسه أن يقدم عذرًا .
وآخر يقول تأخرت .. كان عندي أشغال ومصالح . وواقع الأمر أنها ليست مهمة .
إن ثمرة العبادة الصحيحة والطاعة الخاشعة هي التي توجد الوازع القوي والضمير الحي داخل الإنسان
ولكن هذه الثمرة تتفاوت ؛ فقد تكون الأعمال قليلة ونتيجتها ضخمة , وقد تكون كثيرة وثمرتها ضعيفة .
ومثال ذلك : التابعون كانوا أكثر من الصحابة في العبادات والطاعات , ولكنهم كانوا يرون بعض الذنوب كأنها الذباب يقع على وجوههم . في حين كانت هي نفس الذنونب عند الصحابة يعدونها كالجبال .
فالفرق بين التابعين والصحابة كالفرق بين حجم الذبابة وحجم الجبال .
ويزور الفاروق معاوية في الشام وهو أميرها , فيجده في حلل ٍ بهية وملابس وضيئة , فيسأله فيجيب : بأننا نحكم أقوامًا تعودوا على ذلك من أيام الروم . فيقول : أنت وربك !! .
وجاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – يشكو إليه مملوكين , يخونانه ويكذبانه , ولكنه يضربهما . فيخبره بالموازين القسط يوم القيامة . فيتنحى الرجل يفكر ثم يبكي , ولبث وقتا ثم قال : يارسول الله ما أجد مع هؤلاء إلا مفارقتهم , فهم أحرار .
* وقصة أبي لبابة , الصحابي الجليل رضي الله عنه , وقصة الثلاثة الذين خلفوا .
هذا الإيمان الحي , والضمير القوي نتيجة طبيعية للمطيعين المستجيبين لله ورسوله .
4 – والتربية الإيمانية ضرورية لمضاعفة الإنتاج الدعوي :
إن الإيمان والطاعة يجعل المرء مقبولا عند الله , وإذا أحبه الله يحبه جبريل ويحبه أهل السماء , ويوضع له القبول في الأرض .
وإذا كنت مقبولا بين الناس , بين المدعوين ؛ فقد اختصرت مسافات كبيرة , ونحيت مصاعب كثيرة , وصارت دعوتك تسير على قدم وساق .
وهذا سبيل الذين يسارعون في الخيرات , بل هم السابقون فيها :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) المؤمنون .
وهم لا يتقاعسون عن الجهاد ولا يتعللون بأسباب ليتخلفوا :
( لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) التوبة .
ويوم مؤتة يقابل الأبناء آباءهم بالحجارة , وينادونهم يا فرار . وخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – وعالج الموقف قائلا : ليسوا فرارا , بل كرار .
والحقيقة أنهم انحازوا إلى فئة .
ولكن الشاهد هنا هؤلاء الأبناء الذين غاب عنهم آباؤهم هذه المدة كيف قابلوهم بعدها !
والسبب أنهم لم ينتصروا- من وجهة نظرهم - ولم يتبعوا أعداءهم ويقضوا عليهم .
وكان سلمة بن الحجاج لا يصلي في المسجد حياء من الناس بعد يوم مؤتة .
مع أن الأمر من الناحية الفقهية سليم تمامًا . بل أن خالد بن الوليد شُرف بلقب سيف الله المسلول في هذه المعركة , عندما استل الجيش وعاد به إلى المدينة .
* وقصة الإمام البنا مشهورة : عندما يخرج من القاهرة عصر الخميس , ويطوف بالمنيا ومنفلوط وأسيوط وسوهاج , محاضرًا , ثم يعود يوم السبت صباحًَا إلى عمله بالقاهرة .
5 – وضوح الغاية والهدف بطريقة مستمرة :
فكل همك أن يراك الله حيث أمرك , ويفتقدك حيث نهاك .
وعندما أرسل سعد ربعي بن عامر إلى رستم سأله : لماذا جئتم إلينا ؟ قال : إن الله ابتثعنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .
إن دعوتنا هي دعوة الإنقاذ والبعث وهذا فهمنا لدعوتنا ويجب أن يتجذر في نفوسنا .
ولذلك أعلنها خبيب بن عدي عندما كانوا يعدونه للقتل في مكة :
ولا أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب ٍ كان في الله مصرعي
وأنس بن النضر يقابل سعد بن معاذ يوم أحد وكأنه الأسد الهصور : يا سعد : الجنة من خلف أحد . فيقول سعد : فما استطعت ما فعل .
* ولما قابل أنس بن النضر الصحابة وهم يسرعون نحو المدينة – يوم أحد عندما أشيع أن رسول الله قتل – قال عودوا فموتوا على ما مات عليه !! .
إنه يعرف هدفه , إنها الجنة مقصده ومبتغاه , والإيمان يخدمه , ويسوقه إلى حيث يريد .
والمخلص منا من يهمه حضور اللقاء , قائلا : قد يغفر الله لي به . وإن تغيبت قد أكون منافقًا .
إن هدفي هو إقامة الخلافة الإسلامية , وأستاذية العالم , والغاية من ذلك : إرضاء الله , فلا أدخر وسعَا , ولا أضن بطاقة , أستطيع أن أقدمها في سبيل الله .
6 – تقليل المشاكل أو حلها وتقليل التعلق بالدنيا :
كلما قل الإيمان ارتفع سقف الطموح في الدنيا ومن ثم يبدأ الترخص , من باب ( سيغفر لنا ) .
فهذا يصلي في البيت , ويقل سعيه إلى المسجد . وذاك يضيع وقته بغير فائدة , وذاك يثرثر فيما يضر
وينفع , يخلط من هذا على ذاك .
والذي يقصر في صلاة الفجر , فنوقظه بالتليفون , أو يوقظه زميله , ليس هذا هو الحل القاطع .
إنما الحل أن يحركه قلبه وضميره , والثواب والعقاب .
وقد حدثوا أن بعض الإخوة أعلنوا جائزة ( رحلة عمرة ) لمن يصلى الفجر جماعة أربعين يومًا متصلة .
والذي تم أن الكثير منهم قصر في صلاة الفجر في اليوم الثاني والأربعين وما بعده , ولم يحدث التغيير المطلوب . فليست الجائزة , ولا الإيقاظ بالتليفون هو الحل النهائي .
وعمر يستقيل من القضاء بعد عام . ويقول له الصديق : أمن مشقة القضاء تريد أن تستقيل ؟ .
قال : لا حاجة ل في القضاء بين هؤلاء المؤمنين .
إنهم يتزاورون , ويتكافلون , ويتسامحون , ويعفو بعضهم عن بعض . إذن لا مشاكل , ولا حاجة للقاضي . وقالوا : إذا أنصف الناس استراح القاضي .
حتى لو حدثت مشاكل , فإنها سرعان ما تنتهي .
ويوم أن تنازعوا في الأنفال , نزل القرآن يعالج الأمر على الفور .
( قل الأنفال لله والرسول ) . فصادر القرآن الأنفال .
وذكرهم بأنهم خرجوا بدون رغبة . وأن النصر كان من عند الله , وجاء في السورة الكريمة , وإذ .. وإذ .. اثنتي عشرة مرة تقريبًا . حتى إذا علموا أن النصر لم يكن من عندهم , وأن الغلبة كانت من الله , واستقر ذلك في الصدور ؛ نزل قول الله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ....) .
والمشاكل أنواع منها :
مشاكل سلوكية , جبلية , نفسية .
فالأولى مثالها : كثرة مشاهدة التلفاز وبرامجه ومنها مايكو ن غير مقبول شرعًا , ومنها مايكون مكروهًا . والتساهل , والغفلة , وخلف الوعد , ونحو ذلك . والإيمان جدير بأن يقضي على مثل هذه المشاكل . وتلك تمثل معظم مشاكلنا .
والجبلية : جبل عليها ونشأ فيها , واعتاد عليها , وصارت خلقًا له .
فمن ينشأ في أسرة بخيلة , تحرص على القرش فإنهم يربونه هكذا : يابني هذا مصروفك , ولو أبقيته لكان خيرًا لك , فالقرش الأبيض ينفع في اليوم ...
ولو أنك مشيت هذه المسافة ولم تركب ووفرت الأجرة ..., احرص على ملابس هذا العام لتنفعك العام القادم .. وهكذا معظم تصرفاتهم . فكيف ينشأ غلامهم هذا ؟ .
وحدثوا أن أخًا ملتزمًا يثقل عليه إخراج الزكاة , فقال لإخوانه إذا حان وقت إخراجها , فكتفوني وخذوها مني . فلما فعلوا به ذلك استغاث بهم من شدة القيد وصاح : دعوني دعوني فلم يأبهوا له . وبعد أن أخذوا منه المال , قال لهم وهم يخرجون : جزاكم الله خيرًا !! .
النفسية : مثالها الكبر , وتسفيه آراء الآخرين , ويفخر على العباد بما أنعم الله عليه , يقدس ذاته , ويعيد نفسه . لا شك أنه يحتاج من يوقظه , ويهزه هزًا حتى ينيب إلى رشده , ويؤوب إلى مولاه .
وعكرمة بن أبي جهل , يهرب يوم فتح مكة , لم يتحمل هذه الصاعقة التي حلت بهم لأن الذين كانوا يستضعفون في الأرض عادوا لتدين لهم مكة , ورجال مكة !! ولكن الله أرد به خيرًا , وصار جنديًا عظيمًا من جنود الله .
وهذا الصنف لو كان بيننا - وهو قليل - فقد يكون علاجه أن يقع في ذنب ٍ ويستيقظ ضميره , وتهزه مشاعره , ويعلم حينها أن ما أنعم الله به عليه و أن نجاحه الذي أبرزه , وتفوقه الذي أظهره ؛ لم يكن من عنده وإنما كان بعون الله وسنده ؛ فيعود نادما آسفا تائبا شاكرا لله على عودته .
وحدثوا أن رجلا ناجحًا متفوقًا غنيا وسيما تقدم لفتاة , فرأت فيه فارس أحلامها .
فلما انتقلت إليه وجدته معجبا برأيه , لا يقبل نقدا , ولا يطيق نصحًا , كل أمر يُبرمه لا يقبل النقاش , ويلزم التنفيذ فورا . فلا أحد يراجعه في مشكلة وقعت , ولا يعاتبه في غلطة حدثت !! .
وفي النهاية لم تجد بدًا من الطلاق لتعتق نفسها من هذه العبودية .
فكيف يصلح مثل هذا في صفوف الدعاة ؟ .
* وسيدنا أبو ذر , يزوره الناس فيقولون له : أين متاعك ؟ أين أثاث بيتك ؟ فيقول : إن لنا دارًا أخرى نجهزها .
* ورأوا عبد الرحمن بن عوف في المنام , وهو في نعيم لا يوصف , فرأى الرائي في الأفق منازل عالية تأخذ القلوب , وتبهر العيون , قال لمن هذه ؟ قال : لأبي الدرداء لأنه كان يدفع الدنيا بصدره وراحتيه .
7 – اتخاذ القرارت الصعبة .
- في أشد المواقف يظهر الرجال أصحاب الإيمان الراسخ , كأنهم الجبال أمام العواصف . فهذا أبوبكر الصديق – رضي الله عنه – يقول قولته المدوية , وستظل مدوية , عندما ارتد الناس ومنعوا الزكاة : أينقص الإسلام وأنا حي ٌ ؟ . ولم يستطع أن يثنيه أحد من الصحابة , حتى الفاروق .
وعقد اللواء لأحد عشر جيشًا , وكان هو على رأس جيش ٍ منهم في المدينة عندما تصدى لسجاح التي ادعت النبوة .
وأرسل جيش أسامة إلى الروم في نفس الوقت , رغم اعتراض وتحفظ بعض الصحابة .
حيث قالوا كيف نحارب المرتدين والروم في آن ٍ واحد ؟ .
وأصر على أن يكون أسامة قائدًا للجيش رغم حداثة سنه قائلا للفاروق : أيعينه رسول الله , ويعزله ابن أبي قحافة ؟ .
وهو الذي قضي على الاضطراب الذي أصاب المسلمين عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - عندما صعد المنبر وقال : أيها الناس : من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد
الله فإن الله حيٌ لا يموت . وقرأ قول الله عز وجل في سورة آل عمران : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144).
* ويعطي الراية لخالد بن سعيدبن العاص , فيراجعه عمر قائلا : إنه لم يبايعك . ويظل به الفاروق حتى أقنعه بنزعها منه , فذهب إليه الصديق وطلب منه الراية فقال خالد : والله ما فرحنا بها ولا حزنا على فقدها , ولكن لست أنت الملوم !! .
* - والفاروق عمر يعزل سيف الله المسلول ؛ مخافة الفتنة عليه وعلى المسلمين .
ويرسل إلى عمروبن العاص وابنه ليقتص للمصري وهو شاهد أمامه .
وأبو موسى الأشعري يقسم العطايا في العراق , فقال له رجل : ما عدلت . فأمر أبو موسى بحلق شعره أمام الناس . فذهب الرجل بشعره إلى الفاروق في المدينة , ونثره بين يديه . فأمر الفاروق أبا موسى أن يستدعي الحلاق ليحلق له أمام الناس كما فعل بالرجل . فاستعبر أبو موسى ندمًا على ما فعل , ودعا الحلاق أما الناس فعفا الرجل بعد أن تيقن من حقه .
وبينما كان الفاروق يخطب إذا به يتوقف , ويقول : أيها الناس إن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة . إني أخرجت ريحًا.. وذهب فتوضأ ثم عاد .
8 – لإقناع الآخرين والتأثير فيهم .
* وخير مثال على ذلك : مصعب بن عمير في المدينة , وقد أسلمت على يديه . وأبو ذر يأتي إلى المدينة ومعه غفار وأسلم . والطفيل يأتي ومعه قبيلة دوس .
فالداعية إذا كان متوهجًا ممتلئا بالإيمان فإنه يفيض على مَن حوله , وينشر هديه فيهم .
فالقدوة إمامة بلا إمارة ؛ فقد قالوا عن الحسن البصري : هو أغنى الناس , احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم
ويدور في النفس سؤال : أين الرجال الذين أنتجتهم تربيتنا ؟ بل أين الأفذاذ الذين يقودون هذه الأمة للتغيير ؟ .
لاننتظر أن يكون عددهم على أصابع اليد , ولكن نريد على رأس كل مئة رجلا بهمة الرجال , وإذا كانت هذه الكثرة لا تنتج هذا النوع على قلته ؛ فلنعد إذن لتربية أنفسنا من جديد . إن الحمل كبير وإن العبء ثقيل , وليس ثمة وقت نضيعه ؛ فالعدو يطلبنا , والله كلفنا , والبيعة في أعناقنا , والأمة ممزقة ! .
9 - لحسن مواجهة المحن والعقبات .
فالمؤمن يتعامل مع أحداث الحياة في السراء والضراء بصورة صحيحة : إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له .
* والرسول – صلى الله عليه وسلم – يعيش في مكة ثلاث عشرة سنة , أوذي هو وأصحابه , وحوصروا في شعب أبي طالب , ولقي ما لقي من أهل الطائف , وأصحابه هاجروا إلى الحبشة .
ولكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – واجه هذه الأحداث بثبات , واستثمر كل الأحداث لثبيت المؤمنين , والقرآن الكريم ينزل ينقل المؤمنين خطوة بخطوة .
ويوم حمراء الأسد جاء خبر تجمع قريش للهجوم على المسلمين , فزادهم إيمانًا (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) آل عمران .
10 – المتعة واللذة الحقيقية والرضا .
لذة الإيمان تدوم لأن ثوابها باق ٍ , ولها ثواب عاجل , وهو الشعور بالقرب من الله , والحياة في كنفه ورضاه . وفي الحديث الشريف : عن أنس – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله , وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
حيث شبه – صلى الله عليه وسلم – الإيمان بالعسل ونحوه بجامع الاستلذاذ وميل القلب .
وفي رسالة المؤتمر الخامس من كتاب الرسائل للإمام البنا :
إن السعادة التي ينشدها الناس جميعًاإنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم , ولا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدًا , وأن الشقاء الذي يحيط بهم ويهربون منه أنما يصيبهم بهذه النفوس والقلوب كذلك , وإن القرآن الكريم يؤيد هذا المعنى ويوضحه , ذلك قول الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما أنفسهم ) ( الرعد : 11 ) .
وما رأيت كلامًا أعمق في فلسفة الاجتماع من قول ذلك :
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
* إن مما روي أن نبي الله موسى عليه السلام مر على مملوك يعمل عند سيده في عمل شاق فسأله : كيف حالك ؟ قال : الحمد لله كله يزول . ثم يمر عليه فيما بعد فيجده يجر الساقية لإخراج الماء فيسأله نفس السؤال , فقال : كله يزول . فتعجب نبي الله موسى عليه السلام . ثم مر عليه بعد ذلك فوجده في القصر وقد مات السيد وصار هو السيد , فقال له : كيف حالك ؟ فأجاب نفس الإجابة : كله يزول . ثم رآه في المنام بعد موته , فسأله النبي , فقال أنا في نعيم لا يزول !! .
وحدث أن ابتلي أخ مؤمن في بدنه , وساح في الأرض هنا وهناك لطلب العلاج والاستشفاء .
فلما أعياه أمره , لجأ إلى الله , فوجد راحة كان يفقدها وأنسًا كان منه محرومًا .
فتمثل بقول القائل : يارب : ماذا فقد من وجدك , وماذا وجد من فقدك ؟ !! .
فنجاه الله من بلائه . فما أحب اللجوء إلى الله وما ألذ الركون إليه. وكل سند يحول ويزول إلا سند الله , والله خير وأبقى .
الواجب العملي : إيجاد عشرة أمثلة مع كل مثال من العشرة السابقة .
واستمرار الواجب السابق , وهو الإلحاح على الله بالدعاء لتكون نموذجًا قرآنيًا عمليًا .
وعلى الله قصد السبيل
شعبان شحاته






التكامل التربوي

المحاضرة الأولى
التكامل التربوي
التربية المعرفية ( العقلية ) - الإيمانية – النفسية – الحركية .
مقدمة :
الله رحيم ٌ بالعباد , رءوف ٌ بهم . والله يريد أن يدخلنا الجنة . والذي يدخل النار هو الذي لا يريد أن يدخل الجنة هكذا من عند نفسه .
ولو أراد الله ألا يُعصى ما خلق إبليس !! .
وفي الحديث الشريف : ( إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة . فإن هم بها فعملها كتبها الله تعالى عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ٍ إلى أضعاف ٍ كثيرة . وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة . فإن هم بها فعملها كتبها الله تعالى سيئة واحدة و لا يهلك على الله إلا هالك ).خرجه السيوطي عن ابن عباس رضي الله عنهما . تحقيق الألباني , والحديث رقم 1796 في صحيح الجامع .
وكل شخص يتركه الله ولا يأخذه بالموت فالله ينتظره !! ينتظر توبته ويحب أوبته , ولا يعاجله بالموت . فانظر رحمة الله بالعباد ! .
انظر واعتبر في قصة الرجل الذي قتل مئة نقس وقد وافته المنية في الطريق , والسؤال الوجيه هنا : لماذا لم يتركه الله – تعالى – يعبده ولو بعض
الأيام ؟ . والجواب الوجيه : لو ترك الرجل يعيش لربما تأخذه نفسه الأمارة فيعود للمعصية ويتلف توبته !! .
وقصة الكفل وهو من بني إسرائيل : حيث كان رجلا مشهورًا بالمعصية , مفسدًا في الأرض . وقد حدث أن دخلت عليه امرأة بيته ليلا فوجدها فرصة للزنا , فأبت , وهي خائفة , فقال : تخافين ممن ؟ وكل الناس يخافون مني . قالت أخاف الله ! . فقال : تخافين الله وأنت لم تفعلي شيئًا فكيف بي أنا ؟ وهي كانت ترتعد خوفًا من الوقوع في المعصية ولكنها محتاجة للمال .
فلما دخل خوف الله قلبه ؛ أعطاها المال وصرفها سالمة وبدأ يفكر وعاد إلى ربه نادمًا. ومات من ليلته . وأصبح وقد كتب على داره : غفر الله للكفل !! . فتعجب الناس .
والسؤال : ما الحكمة من أن يرى الناس ذلك ؟ وما الحكمة من أن يحكي الرسول – صلى الله عليه وسلم – قصة هذا الرجل ؟ .
والجواب : لكي يعلم كل عاص ٍ في أي زمان أن الله غفور رحيم لمن تاب إلى مولاه وعاد إلى رحابه , وإن كان الكفل , فما بلك بمن دونه في المعصية
ولم يجعل الله تعالى للتوبة وقتا معينًا لا تصح إلا فيه ؛ فقد يقسو قلبه ولا يتوب , أو يغير رأيه , أو ربما وافت الإنسانَ منيتهُ قبل ذلك الموعد ؛ فجعلها الله في أي وقت تريده أنت , حتى لا تفوتك الفرصة . لأن الله يريد أن ينقذك , ويحب أن يرحمك , لأنه الرحمن الرحيم ! . (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) . الأنعام 12. ولو أن رجلا حكم عليه بالإعدام وانقطع أمله وانتهى أمره , ثم فوجئ بخبر براءته . فكيف تكون فرحته ؟ .
أو امرأة عقيم مرت بها سنوات طويلة لم تلد ثم فوجئت بالحمل . فكيف تكون فرحتها ؟ .
لله أفرح بتوبة عبده من هذا وهذه . وفي الحديث الشريف : ( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد , ومن الضال الواجد , ومن الظمآن الوارد ) . خرجه السيوطي عن أبي هريرة رضي الله عنه .( ضعفه الألباني ) .
والحديث الثاني عن أبي هريرة : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه حين يذكرني , والله ِ لله ُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة , ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا , ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا وإن أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول ).خرجه السيوطي , في صحيح الجامع عند الألباني .
ولو علم العاصي علم اليقين أن الله ينتظر عودته , ويحب أوبته لذاب أسفا ومات خجلا !! .
والله عز وجل يقول : {وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ }يس67 .
مسخناهم قردة أو حجارة وهم على معصيتهم !! .
وورد في الآثار أن الله عز وجل كشف لإبراهم الملكوت فرأى رجلا يرتكب كبيرة فقال يارب أهلِك هذا , فأهلكه الله , ثم رأى آخر على كبيرة فقال يارب أهلِك هذا , فأهلكه الله , ثم رأى ثالثا فقال : يارب أهلك هذا . فقال الله تعالى : على رسلك يا إبراهيم... إنهم عبادي !! .
وما من أحد ٍ أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل . فهذا يسب دين الله , وهذا يعبد غير ه , وذاك يجعل له صاحبة وولدا , وهؤلا ء يقولون : ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) آل عمران 181 .
وفي سورة المائدة : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
فانظر ماذا قال الله عز وجل بعد هاتين الآيتين : ( أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74 ) .
وفي سورة مريم ( قالوا يا مريم لقد جئت ِ شيئًا فريًا ) . أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدًا , أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا ) .
( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) .
ومع هذا الكفر الصريح ستجد أن هذه السورة من أكثر السور التي ذكر فيها اسم الرحمن !!! .
وانظر كيف قبل الله خالد بن الوليد وأبا سفيان , وعكرمة , وعمرو بن العاص – كيف قبلهم في صفوف المؤمنين , وجعلهم في مقدمة المجاهدين . أليست هذه رحمة الله في أجلى صورها ؟ .
وفي ختام هذه المقدمة نقول : نريد أن نتخلق بأخلاق الله : خلق الرحمة , وأن نعامل الناس بمنطق الرحمة .
من نحن وماذا نريد ؟ .
نحن من اختارنا الله – تعالى – لإنقاذ البشرية . نحن رحمة الله للعالمين .
تأمل قول الله عز وجل : ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) المائدة 12 .
نحن أقصد الإخوان , ومن ينتهج طريقنا ويسلك سبيلنا , ويدعو بدعوتنا ولو لم يكن منا , وإن كان خارج صفوفنا .
ويلحق بذلك من كان متعاطفًا .
وإذا كان المسلمون هم مثال الرحمة فهم يأسفون على من يموت على غير الإسلام .
ولا يخصون كافرًا بالدعاء عليه , بل المستحب في ذلك التعميم .
ولذلك عاتب الله – تعالى – الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندما دعا على المشركين ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) آل عمران 186 . ولو أن الأمة تخلت عن دورها لاستحقت الغضب من الله . لكن الثابت أن الله عز وجل لن يستبدل هذه الأمة ؛ لأنها أمة خاتم الأنبياء والمرسلين , ولا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم – فهي المنوط بها هذا الدور .
فهل إذا تخلى الإخوان عن الدعوة والرسالة هل يستبدلهم الله ؟ .
والإجابة على ذلك هي أن الله تعالى يمتحن المقصرين ويمهلهم مرات ومرات فإن أبوا إلا البعد والشطط ؛ فسيجدون أنفسهم خارج القافلة ويقوم غيرهم بهذه المهمة الشريفة . (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38.
والواقع أن التقصير - إذا أردنا الإنصاف - لن يقع من كل الإخوان ولامن كل العاملين وإنما من البعض .
وهنا يحضر سؤال : لماذا أصبحت الأمة الإسلامية أذل الأمم ؟ . أو لعل البعض يريد أن يقول : إن الأمة الإسلامية تتعرض أكثر من غيرها من شعوب العالم للذل والتدمير والتشريد . وهي التي تحمل رسالة الله بما فيها من خير للعالمين وهداية للحائرين .
وللإجابة عن ذلك إليك هذا المثال أولا: لو أن الرجل أعطى لأحد أبنائه دواء وأمره أن يعالج إخوته , وأعطاه بعض الهدايا الأخرى , فلم يعطهم الدواء , واكتفي بالهدايا , فظهرت فيهم الأمراض . فإلى من يتوجه لوم الوالد ؟ . إلى ابنه الذي أهمل الدواء ؟
أم إلى أبنائه المرضي ؟ . لا شك أن اللوم الأكثر سيكون لهذا الابن .
فالأمة الإسلامية معها المنهاج الصحيح , وهي المكلفة بهداية البشرية بإذن الله , فلما تخلت عن دورها ؛ كان هذا الابتلاء الشديد .
ولذلك جاء في الحديث الشريف : عن أنس بن مالك مرفوعًا ( سيأتي على الناس زمانٌ يدعو فيه الرجل للعامة فيقول الله عز وجل : ادع لخاصتك أستجبْ . أما العامة فلا فإني عليهم غضبان ) .
وما تراه اليوم مما يتعرض له المسلمون في كل مكان خير شاهد على ذلك .
وورد في الأثر عن من قبلنا : ( يارب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة رضاك عنا ؟ . يقول الله تعالى إذا وليت عليكم خياركم فهذه علامة رضاي عنكم وإذا وليت عليكم شراركم ؛ فهذه علامة غضبي عليكم ) .
وفي الحديث عن ابن عمر : ( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) . تخريج السيوطي . في صحيح الجامع عند الألباني رقم 423 .
بناء ً على ذلك فإن الخطوة الأساسية لإقامة الإسلام أن تعود الأمة إلى ربها .
فلتترك الأمة المعاصي ولتتجنب الحرام ولتتقترب من ربها بألوان الطاعات , أفرادًا وجماعات , وليصلح كلٌ من نفسه ؛ فبهذا وحده يأتي النصر .
ولا يكفي سن القوانين وحدها فقد ثبت أنها لا تقيم مجتمعًا صالحًا . فما أسهل التحايل عليها , واللف والدوران حولها .
فإذا سألت : فما مهمة الإخوان ؟ .
نقول إنها مهمة تغييرية , تربية الناس , ووضعهم في المكان الذي يحب الله أن يراهم فيه . فمهمتنا في الأصل مهم تربوية وهي الفريضة الأولى .. التربية بوسائلها ..
ولكن كيف يكون هذا التغيير ؟ .
فنتوجه للنفس من الداخل , ولو أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – توجه للإنسان من خارج نفسه ما نجحت الدعوة ولو أقام فيهم عمر نوح .
فالنجاح عندنا يتمثل في أن نربي الفرد ليربي هو نفسه ذاتيًا , ويخاف الله ويراقبه من عند نفسه .
وأي دور آخر هو مطلوب ولكن الجانب التربوي يقدم على كل الأنشطة , بل كل نشاط يجب أن يكون له توجه تربوي , يقوم فيه المسؤول بربط الأفراد بالله من خلال حركتهم بالدعوة .
ومتى تكون حركة الأفراد نافعة لهم ؟ .
والجواب : إذا انطلقت الحركة من قلب متزود بألوان الطاعات فإنها تكون نافعة وتعود بمردود إيماني كبير .
مثال : لو أردت أن تشعل قطعًا من الفحم فإنك لن تستطيع إلا إذا أتيت بقطعة متوهجة تضعها وسط الفحم ثم تستعمل التهوية فإن الوهج سينتشر إلى الجميع .
فإذا كان توهج الفحمة ضعيفًا كان الناتج ضعيفًا وتجمع الغبارالكثيف بلا فائدة تذكر .
فلا بد من شعاع ساطع وإيمان دافئ لكي نستطيع أن ننشر رسالتنا ونربي أمتنا ؛ لكي تصل إلى غايتها المأمولة وتحقق هدفها المرسوم .
فأين الزاد ؟ لماذا أنت غير متوهج وأنت صاحب المهمة الثقيلة ؟ .
أين مجهودك مع أبنائك ؟ .. مع إخوانك .. مع المجتمع من حولك ؟ .
الفاروق عمر جاءه خازن المال فحبسه طويلا حتى خرج إليه معتذرًا : لقد كنت في قضاء وردي .
وفي يوم القادسية - وقد استمرت الحرب أيامًا – كانوا ينامون طرفًا من الليل ثم يقومون لصلاة التهجد ..دعاء واستغفارًا وابتهالا وطلبًا لنصر الله . وكذلك كانوا في كل جهادهم .
والشاعر محمد إقبال يقول : كن من شئت من الدعاة , ولكن اعلم أنك لن ترجع بطائل حتى يكون لك أنة ٌ في السحر .
ولا تكن كالذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه , فمثله كمثل الشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها .
فالزاد ضروري لكل امرئ مؤمن أيًا كان موقعه .
ويأتي الأمر للنبي – صلى الله عليه وسلم – {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ }الشرح 7. إذا فرغ من الجهاد ومن مراسلة الملوك والرؤساء , ومن تربية الأمة ؛ فليتزود بألوان الطاعات , وبالقرب من مولاه .
والإنسان أيًا كان منزلته , ومهما كانت درجته فهو عرضة للابتلاء .
فالصحابة أولو الفضل وأهل السبق يوم تبوك عوتبوا عتابًا شديدًا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ }التوبة 38 .
وقالوا إن علو المنزلة يستوجب شدة الانتباه .
فلا بد إذن من الجدية . ولكن الحركة بالدعوة والجدية لا بد أن تخدم بالتربية المعرفية والتربية الإيمانية , في عملية مستمرة متواصلة .
وبالتالي نوجد الرجل صاحب الدعوة , لا موظف الدعوة .
فإذا جاء عميل قبيل نهاية فترة العمل فإن صاحب العمل يفرح , بينما يحزن الموظف لأنه يريد أن ينصرف . فنحن نريد لدعوتنا النموذج الأول .
وبأسلوب آخر: نريد ابن الدعوة بالنسب ولا نريد ابن الدعوة بالتبني ؛ لأن الإسلام حرم التبني .
ويوم اليمامة صدر الأمر بتميز الناس , فتميز المهاجرون والأنصار .
ووقف البراء بن مالك مناديًا في قومه : يا أهل المدينة لا مدينة لكم !!فعلى أي شيء بعد ذلك يخافون , وعلى أي شيء يحرصون
وأبو عقيل من الأنصار أيضًا سقطت كتفه إلا من الجلد ولكنه خرج من صفوف الجرحى وظل يقاتل حتى طُعن أربع عشرة طعنة , وعندما كانت تخرج روحه الطاهرة قال : ماذا فعل عدو الله ؟ يقصد مسيلمة . قيل له قُتِل . قال : الحمد لله ثم أسلم إلى الله روحه .
هذه النماذج ما صنعها الإيمان .
ولذلك يقول أبو الحسن الندوي : إن قوة الإيمان أقوى من القنبلة النووية .
إن صاحب القلب الحي لا يطيق السكون , يتحرك في كل مكان , يُتعب من حوله , يتعب كل شيء حتى دابته . يذهب هنا وهناك في صنوف الطاعات , يقول : يارب جئت إليك هنا لترضى عني . { قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى }طه 84 .
واذكر هذه الصحبة الثنائية : سعد بن أبي وقاص , وعبد الله بن جحش , رضي الله عنهما . بم دعا الأول وبم دعا الثاني في غزوة أحد ؟ . ( .... حتى إذا بعثتني يوم القيامة وسألتني لم فعلت هذا ؟ قلت : من أجلك يارب !! .
هذه النماذج هي التي تقيم الحق في الأرض , وتنصر المبادئ بصدق .
لأنها نفذت قول الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال .
فعلامة القلب السليم : الخشوع لذكر الله وهيمنة داعي الإيمان فيه .
التربية النفسية :
انتبه يوجد وحش داخلك ...عندما تقوم الليل وتصلي الفجر يوميًا , أو تنجح في أعمالك الدعوية , حينذ ٍ يتحرك الوحش ؛ فتطلب رأي من حولك فيما تقوم به من أعمال . وأنت تقصد أن تستنطقهم بالمدح !! . فاحذر العجب .
أنت تدعي ما تدعي . فأنت وشأنك . ولكن كيف قلبك من الداخل ؟ .
ولذلك عرفوا النفس بأنها مجموعة الشهوات والرغبات داخل الإنسان .
وأُثر عن الحجاج أنه قال : أتمنى أن أقتل أربعة في الله أحدهم : كان واليًا فُتن الناس به فلما كان يخطب قال له رجل أكثر الله من أمثالك فرد : إذن لقد كلفتم الله شططًا !!!! .
ولما تواصلت انتصارات خالد بن الوليد , راسله الصديق – رضي الله عنهما – : إياك أن تعجب بنفسك فتخسر وتخزى . وعمر يعزله وهو يعلم لماذا عزله الفاروق .
فلا بد من السيطرة على النفس وإمساكها من قرنيها وإحكام القبض عليها .
والسيدة عائشة تلبس ملابس جميلة أعجبت بها , فقال لها الصديق : ألا تعلمين أن هذا يغضب الله عز وجل ؟ .فقالت إذن أتصدق به . فدعا لها : عسى الله أن يغفر الله لك ِ.
وأبو بكر عندما اعتلى المنبر في أول خطبة له , أعلنها : وليت عليكم ولست بخيركم . رضي الله عنه وأرضاه .
وظل يخدم الناس و يحلب لهم شياههم حتى بعد أن نُصب خليفة .
وهو الذي كتب على خاتمه : ( عبد ذليل لرب جليل ) .
والفاروق يصعد المنبر خطيبًا : كنت أجيرًا وكنت .... فقال له أبو عبيدة بعد أن انصرف الناس : ماذا فعلت يا أمير المؤمنين ؟ .
قال : جاءتني الوفود تسمع وتطيع فخفت على نفسي , وأردت أن أؤدبها .
وانظر صفات الإنسان التي ذكرت في القرآن :
( إن الإنسان خلق هلوعًا ) . ( إنه كان ظلومًا جهولا ) . ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) . ( وكان الإنسان قتورًا ) .
وهناك شهوات جلية وأخرى خفية .
فالجلية مثل : الخمر والزنا وأكل مال اليتيم وغيره .
والخفية نحو : الكبر , العجب , حب العلو على الناس : عندما يظن المرء أنه أحسن من غيره .
والمرء يسأل نفسه : أي شيء أحسن عندك : طعام لذيذ أم مدح رنان ؟ .
فإذا كان الأخير فهي المصيبة .
فرب نفسَك , وأوقفْها عند حدها واستعنْ بالله , فلا قوة على الطاعة إلا به ولا توفيق إلا به , ولا يحولك عن المعصية إلا هو . فأنت تصلي بعون الله وتفعل الخير بالله . تعال انظر في هذه النصوص :
( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) .المائدة .
والله عز وجل يخاطب نبيه – صلى الله عليه وسلم : ( ولو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ...) الإسراء .
( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) . يوسف . ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) . إبراهيم .
والعابد يخاف من ترك الطاعة , والعارف يخاف من الكفر .
أي كلما ازداد القرب من الله كلما خاف المرء أن يحرم هذا القرب حرمانًا نهائيًا بالكفر . ولولم يربط الداعي نفسه بهذه المعاني فسيكبر عند نفسه , وتتضخم عنده ( أنا ) .
بينما تستهدف التربية أن يكون عند نفسه صغيرًا .. لا يستعظم عبادته , ولا يرى عمله كبيرًا ؛ إنه كان بتوفيق الله وعونه الله .
وانظر كيف يأتي الأمر بالاستغفار بعد الحج وبعد الصلاة وبعد صلاة الليل .
بل إن الله عز وجل يأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالاستغفار إذا جاء نصر الله والفتح , ودخل الناس في دين الله أفواجًا .
أما التربية الحركية التي عمادها الجسم فهي نتاج التربية المعرفية العقلية والإيمانية .
واعلم أن الإمداد على قدر الاستعداد .
عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – أرسل رجاء بن حيوة ليشتري له ثوبًا – عندما كان أميرًا على المدينة – فأتاه بثوب ثمنه خمسون دينارًا . فقال له : ألم تجد أغلى من هذا ؟ . فلما صار خليفة للمسلمين , اشترى له ثوبًا بخمسة دراهم فقال له : ألم تجد أرخص من هذا ؟ .
ولما انتهى من جنازة سليمان بن عبد الملك , قُرب له موكب الشرطة ليصحبه إلى دار الخلافة , فاخذ القرار من حينها , ودعا ببغلته , وسرح الشرطة .
وأرسل إلى سالم بن عبد الله بن عمر يقول : أريد أن أسير في الناس بسيرة عمر . فرد عليه : ليس معك رجال كرجال كانوا مع عمر . ولكنك إذا أردت الحق ونويته بصدق , أعانك الله عليه وأمدك برجال من حيث لا تحتسب. فإن نقصت نيتك وضعفت إرادتك نقص عون الله لك بقدر نقص النية والإرادة . فعاد عمر بن عبد العزيز بالأمة كعهد عمر بن الخطاب .
وقد ورد أن الراعي رأى الذئب مع الغنم لا يؤذيها ؛ فقال : تولى الأمة رجل ٌ صالح .
وبعد ثلاين شهرًا اعتدى الذئب على الغنم فقال : مات الإمام الصالح .
وفي الختام : نعود بأنفسنا إلى التكامل فالعلم والمعرفة لتنمية العقل , وقد بسط الحديث عن تربية النفس والتربية الإيمانية , أما التربية الحركية فتمثلها الحركة بالدعوة في المجتمع . وبأسلوب آخر لابد من الموازنة بين الدوائر الثلاث : النفس والبيت والمجتمع .
ولا يجوز أن نعظ الناس وننسى أنفسنا . يقول الله عز وجل ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) البقرة . فنفسك أولا ... , ثم البيت والمجتمع .
الوجب النظري : قراءة رسالة إلى أي شيء ندعو الناس , واستخراج ما يؤيد المحاضرة منها .
قراءة كتاب مهلًا أخي الداعية أو كتاب صور مرفوضة ( للدكتور مجدي الهلالي ) .
أو كتيب ( الوعد الحق ) للمستوى الأقل .
الواجب العملي : التفكر في احتياجاتنا التربوية , والإلحاح على الله – عز وجل – أن يعيننا على استكمال ما ينقصنا منها .
ليكون ذلك في النهاية وسيلة إلى إيجاد النموذج القرآني . وعلى الله قصد السبيل .











السبت، 18 أكتوبر 2008

المحبة

بسم الله الرحمن الرحيم
المحبة لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ( بتصرف ) .
الحمد لله رب العالمين ، اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلينا ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا ، واقطع عنا حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك ، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وحده لا شريك له ، ناجاه نبيه داود فقال له : " يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك فقال الله عز وجل ، أحب عبادي إلي ، تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي ، فقال داود : يا رب إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ، قال يا داود ذكرهم بآلائي ، ونعمائي وبلائي " .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وحبيبه وخليله ، وخيرته من خلقه وصفيّه ، دعا ربه في الطائف ، وقد لاقى من التكذيب والإيذاء ما لا يستطيع بشرٌ على الإطلاق أن يتحمله إلا أن يكون نبياً ، دعا ربه فقال : إنْ لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، لك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي)) .
اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته أعلام الهدى ، وأبطال الوغى ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
من خلال التأمل الدقيق ، والنقل الصحيح ، يتضح أن الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم ، بدليل أن الكون كله ، بسماواته وأرضه مسخر له ، تسخير تعريف وتكريم ، فإذا آمن الإنسان ، بأنه خالق عظيم ، ورب كريم ، ومسير حكيم، خلقه في أحسن تقويم ، وكرّمه أحسن تكريم ، وفضله على كثير من العالمين ، أنعم عليه بنعمة الإيجاد وبنعمة الإمداد ، و بنعمة الهدى والرشاد .
إن هذا الإيمان ، وذاك العرفان يحملان الإنسان على محبة خالقه ومربيه ، فالإنسان بعقله يؤمن ، وبقلبه يحب ، وهل الإنسان إلا عقل يدرك ، وقلب يحب .. وقد ورد في الأثر : ((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً)) .
وورد في الخبر ، أنه لا إيمان لمن لا محبة له ، فالإيمان والحب متلازمان ، تلازم الروح وبالجسد ، فما قيمة الجسد من دون روح كذلك ما قيمة الإيمان من دون حب ، وإذا صحَّ أن العقل للإنسان كالمقود للمركبة ، يقودها على الطريق الصحيح ونحو الهدف الصحيح، فإنه يصحُّ أيضاً أن القلب للإنسان كالمحرك لهذه المركبة ، يحرِّكها على هذه الطريق ونحو ذلك الهدف .. فما قيمة المقود من دون محرك ؟ إنه الجمود والموت ، وما قيمة المحرك من دون مقود ؟ إنه الهلاك والدمار .
المحبة هي قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وهي الحياة التي من حُرمها فهو في جملة الموات ، وهي النور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، وهي الشفاء الذي من عَدِمه حلَّت به الأسقام ، وهي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ، لذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك :((ثلاث من كُنَّ فيه ، وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يُحبَّ المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر ، بعد إذ أنقذه الله منه ، كما يكره أن يُلقى في النار)) . [متفق عليه]

فإذا عرف الإنسان ربه أحبه ، وإذا أحبه خطب وده ، فاستقام على أمره ، وعمل الصالحات ، ابتغاء وجهه ، عندئذ يجد حلاوة الإيمان بعد أن ذاق جحيم الكفر ، إن الإنسان وقد عرف هذه المعرفة ، وذاق هذه الحلاوة ، يصبح شغله الشاغل ، التقرب من المحبوب ، يقول الله تعالى فيما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ، في حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري : ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأُعطينه ، ولئن استعاذني لأُعيذنه)) .
كثيرون هم الذين يدّعون محبة الله ورسوله ، ولا تجد في أعمالهم ما يُثبت ذلك ، إنهم خاضوا بحار الهوى دعوى ، وما ابتلوا ، ولو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي ، لذلك طولب المدَّعون بإقامة الدليل على صحة دعواهم ، فقال تعالى : {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }آل عمران31
تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّه هذا لعمري في المقال بديـعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيـعُ
***
ولقد ردَّ الله عز وجل على هؤلاء الذين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، فقال : {{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }المائدة18 .
ومن هنا استنبط الإمام الشافعي - رحمه الله - أن الله لا يعذب أحبابه .
محبة الله أصل : ومن فروعها :
1 - محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس أحد بعد الله تعالى أمنَّ علينا في هدايتنا ، وسعادتنا من رسولنا صلى الله عليه وسلم . ( لقدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) [سورة التوبة]
لذلك قُرنت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمحبة الله تعالى في معظم آيات القرآن، وفي السنة المطهرة ، قال تعالى : ({قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }التوبة24
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)) .
بل إن إرضاء الله ، هو عين إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله ، قال تعالى : َاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ }التوبة62
هكذا بضمير المفرد .. ولم يقل " يرضوهما " بضمير المثنى ، وكذلك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله تعالى ، حيث يقول : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) .النساء 80
وهذا خصم عنيد من خصوم النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة : ما رأيت أحداً يحبُّ أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً .
وإليكم نموذجين من هذه المحبة :
ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له ، قليل الصبر عنه ، أتاه ذات ليلة وقد تغير لونه ، ونحل جسمه وعُرف ذلك في وجهه ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :((يا ثوبان ما غير لونك " ؟ فقال : يا رسول الله ، ما بي وجع ولا ضرٌّ غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك ، واستوحشت وحشة شديـدة حتى ألقاك ، ولولا أني أجيء فأنظر إليك ، لظننــت أن نفسي تخرج - أي أموت - ثم ذكرت الآخرة ، وأخاف ألا أراك هناك ، لأني عرفت أنك مع النبيين ، فلم يردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً)) ، لكن الله جل في علاه أجابه عن تساؤله في القرآن الكريم فقال تعالى : {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69 .
نموذج آخر : امرأة أنصارية من بني دينار ، تسمع إشاعة أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قُتل ، في أُحد ، فيؤلمها النبأ ، وتخرج لتستجلي الحقيقة ، وتمر على أرض المعركة ، وتجدُ في الشهداء ابنها وزوجها وأخاها ، فلا تقف عندهم ، بل تندفع باحثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل عنه كل من لقيت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : أمامك حتى وصلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، واطمأنت على سلامته ، فأخذت بطرف ثوبه ، ثم قالت : كل مصيبة بعدك جلل ( هينة ) ولا أبالي ما سلمت من عطب .
أية امرأة أنتِ ؟ لله درك ..
ولو أن النساء كمن رأينـا لفُضِّلت النساء على الرجال .
محبة الله أصل ، ومن فروعها محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين عزروه ، ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ، والذين جاهدوا معه حق الجهاد ، وبذلوا من أجل انتشار الحق كل غالٍ ورخيص ، ونفس ونفيس ، والذين رضي الله عنهم جمعياً ، والذين وصفهم المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال : ((علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء)) .
وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم وفاءً لحق صحبتهم وتقديراً لمكانتهم ألا نخوض فيما بينهم ، فقال : ((إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا)) .
[رواه الطبراني في الكبير ، عن ابن مسعود]
وقال : ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًاما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه فهم كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم)) .
فهؤلاء الأصحاب ، بإيمانهم ، وثباتهم ، وبطولاتهم ، وولائهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم استطاعوا في مثل سرعة الضوء أن يضيئوا الضمير الإنساني بحقيقة التوحيد ، ويكنسوا إلى الأبد وثنية القرون ، فأيُّ بذل هذا الذي بذلوا ، وأي هولٍ هذا الذي احتملوا ، وأيُّ فوزٍ هذا الذي أحرزوا .
محبة الله أصل ، ومن فروعها:
2 - محبة المؤمنين : تلك المحبة التي تؤلف القلوب ، وتوحد الصفوف ، وتبني المجتمعات ، وتصنع المعجزات ، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المؤمنين في توادهم ، وتعاطفهم ، وتراحمهم بالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وهم كالبنيان المرصوص ، يشدُّ بعضه بعضاً ، وهم لبعضهم بعضاً ، نصحةٌ متوادُّون ، ولو ابتعدت منازلهم ، بينما المنافقون بعضهم لبعض ، غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم .
لذلك .. يجب ألا نعجب إذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم حب المؤمنين علامة كافية على صحة الإيمان ، وصدقه ، بل جعل محبة المؤمنين شرطاً وحيداً لوجود الإيمان في الرجل فقال :((والذي نفسي بيده ، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا)) .[أخرجه مسلم في صحيحه رقم 93 ، وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة ]
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أيها الناس ، اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم ، وقربهم من الله ، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى الني صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ناسٌ من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم ، وقربهم من الله انعتهم لنا ، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي فقال : هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابُّوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها ، فيجعل وجوههم نوراً ، وثيابهم نوراً ، يفزع الناس يوم القيامة وهم لا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) .
وفي الحديث القدسي : ((وجبت محبتي للمتحابين فيَّ وللمتجالسين فيَّ وللمتزاورين فيَّ وللمتباذلين فيَّ)) .أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير
وأي فضل هذا الذي يحرزه المؤمن إذا أحب أخاه ؟ . وجوب محبة الله له ! ما أعظم الثمن , وما أحسن العمل وما أسهله .
وفي حديث آخر :
((المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)) .
[أخرجه الترمذي في كتاب الزهد 2390 ، وقال حسن صحيح]
وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ، وفي رواية : ((وحتى يكره له ما يكره لنفسه)) ، فالمراد بأحدكم في الحديث : كل المسلمين في كل العصور ، وكل الأمصار ، لرواية أخرى تقول : ((لا يؤمن أحدٌ أو عبدٌ )) ، وإن كان بهذه الصيغة خاصًا بالمشافهين ، الذين عاصروا النبي ، والمراد بالأخ في الحديث من له أخوة الإسلام مطلقًا .. كما ورد في بعض الروايات : ((لأخيه المسلم)) ، فالمسلمون على اختلاف شعوبهم ، وقبائلهم، وديارهم ، وألسنتهم ، وألوانهم هم أسرة واحدة ، قال تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الحجرات10.
ويستفاد من كلمة إخوة التي تعني أخوة النسب أن أخوة الإيمان أعلى درجات الأخوة، ويستفاد من كلمة إنما : أن الأخوة الحقة قاصرة على المؤمنين ، وكل علاقة أخرى لا تقوم على الإيمان ، علاقة أساسها المنافع تدوم بدوامها ، وتزول بزوالها ، وفي رواية للنسائي: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، من الخير)) ، وهذه الكلمة : ((من الخير)) قيد لا بد منه ، لأن من كان يحب لنفسه شيئاً من المشتهيات المحرمة ، ليس من الإيمان أن يحب لأخيه مثلها ، فالمراد ((بالخير)) في الحديث ما هو خير شرعاً ، والخير الشرعي يتناول الحظوظ الأخروية كلها ، كالعلم النافع ، والعمل الصالح ، والعبادة الخالصة ، والعاقبة الحُسنى .. ولا يتناول من حظوظ الدنيا إلا ما كان مباحاً غير مذموم ، كسعة الرزق من الحلال ، ونجابة الأولاد ، وطول العمر ، والسلامة من المكاره.
والذي رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل فسلم عليه ، ثم جلس فقال له ابن عباس : يا فلان ، أراك مكتئبا حزيناً؟ قال : نعم ، يا ابن عم رسول الله ؛ لفلان عليَّ حق ولاءٍ ، وحرمةِ صاحب هذا القبر ما أقدر عليه .. قال ابن عباس : ألا أكلمه فيك ؟ قال : إن أحببت ، قال : فانتعل ابن عباس ، ثم خرج من المسجد ، فقال له رجل : أنسيت أنك معتكف ؟ قال : لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر ، والعهد به قريب ، فدمعت عيناه ، وهو يقول : ((من مشى في حاجة أخيه ، وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق ، كل خندق أبعد ما بين الخافقين)) .
[ورد في كنز العمال 24019 ،ورواه الخطيب وقال غريب ورواه الطبراني في الكبير ورواه الحاكم]
وفي الحديث : ((لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة ، خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا)) .
[أورده السيوطي في الجامع الصغير ]
ومن ثمار المحبة بين المؤمنين إذًا، التراحم ، والتعاون ، والتضامن ، والتكافل ، والمؤاثرة ، فقد أمر الله المؤمنين بالتعاون فيما بينهم ، إلا أنه قيد التعاون بأن يكون تعاوناً على البر والتقوى ، لا تعاوناً على الإثم والعدوان .. قال تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) المائدة
قال علماء التفسير : التعاون على البر هو التعاون على صلاح الدنيا ، والتعاون على التقوى هو التعاون على صلاح الآخرة ، وفي الدعاء النبوي الشريف : ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي)). أخرجه مسلم
فمن التعاون : التناجي بين المؤمنين في صلاح دنياهم وآخرتهم ، والمشاركة في إبداء الآراء ، وتوضيح الحقائق ، وتشخيص المشكلات ، والبحث عن الحلول ، وتذليل العقبات ، فليس من سمات المؤمن الصادق الفردية والانعزالية والسلبية ، والهروب من حلِّ المشكلات ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }المجادلة9 .

لذلك تُعدُّ الشورى من مظاهر التعاون الفكري ، أمر بها رسوله فقال : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) آل عمران159 .
ووصف بها المؤمنين فقال : ( وأمرهم شورى بينهم ) . الشورى 38 .
ومن التعاون بين المؤمنين تنفيس الكروب وتيسير الخطوب وستر العيوب لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة برواية مسلم :((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) .
فتنفيس الكروب هو تفريجها وإزالتها ، والكروب جمع كربة ، وهي الحزن والغم ، الذي يأخذ بالنفس فيضغط عليها ضغطاً مؤلماً ، وهنا يأتي دور المؤمن في مساعدة أخيه في تنفيس كربة ، فإذا كانت كربة أخيه من جهة فقره ، وحاجته ساعده حتى يسدَّ حاجته ، ويرفع عنه ضرورته ، سواء أكان ذلك في ماله ، أم في سعيه الحسن ، وإن كانت كربة أخيه بسبب حاجته إلى قرض حسن ليدفع ضرورة مُلحَّة أقرضه ، وإن كانت كربة أخيه بسبب مصيبة حلَّت به واساه ، وساعده حتى تنفرج عنه الكربة ، وإن كانت بسبب حاجته إلى شفاعة حسنة شفع له ، وإن كانت بسبب حاجته إلى زواج سعى بتزويجه ، وإن كانت بسبب حاجته إلى عمل ، سعى في تهيئة العمل الملائم له ، وإن كانت بسبب حاجته إلى تداوٍ من علة جسمية أو نفسية ، سعى له في العلاج المناسب حتى يُنفِّس عنه كربته .. وقل مثل ذلك في التيسير والستر والمعونة .
محبة الله أصل ، ومن فروعها :
3 - أن تنصف الناس جميعًا على اختلاف مللهم ونحلهم ، وأن ترحمهم ، وتُعينهم في أمر دينهم ودنياهم ، لأن الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن الرجل انتماءه للإسلام إذا غش كائناً من كان فقال : ((ليس منا من غش)) .
[رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة ]
محبة الله أصل ، ومن فروعها
4 - أن ترفق بالمخلوقات جميعًا ، وأن ترحمهم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((لعن الله من مثَّل بالحيوان)) .
[رواه البخاري ومسلم ]
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقتل شيء من الدواب صبرًا ، ونهى عن التحريش بين البهائم ، وأن يتخذ شيء من الروح غرضًا ، أي هدفًا في الرمي ، روى الإمام البخاري أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال : ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)) .
وروي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((غُفر لامرأة مرَّت بكلب على رأس بئر يلهث يكاد يقتله العطش فنزعت خُفَّها ، فأوثقته بخمارها ، فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك)) .
§ كيف تكون المحبة والألفة ؟ وما شروطها وموجباتها ؟ وما ثمارها ونتائجها ؟
يقول الله تبارك وتعالى : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63
يتضح ذلك كله من قصة عمير بن وهب الجمحي الذي نجا من الموت في معركة بدر ، وخلَّف ابنه وهباً أسيراً في أيدي المسلمين .. جلس ذات يوم في فناء الكعبة ، مع صفوان بن أمية ، سيد قريش وزعيم الشرك ، يتذاكران بدراً ، فقال عمير لصفوان : ورب الكعبة ، لولا ديون عليَّ ليس عندي ما أقضيها ، وعيال أخشى عليهم الضياع من بعدي لمضيت إلى محمد، وقتلته ، وحسمتُ أمره ، وأرحتكم منه ، فقال صفوان : يا عمير ، اجعل دينك كله علي ، فأنا أقضيه عنك مهما بلغ ، وأما عيالك فسأضمهم إلى عيالي ما امتدت بي وبهم الحياة ، وإن في مالي من الكثرة ما يسعهم جميعاً ، ويكفل لهم العيش الرغيد ، فامض لما أردت ، عندها أمر عمير بسيفه فشُحِذ ، وسُقيَ سماً ، ودعا براحلته فأعدّت ، وقُدِّمت له ، ويمم وجهه شطر المدينة ، وملء برديه الضغينة والشر ، ولما بلغها مضى نحو المسجد ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمحه سيدنا عمر رضي الله عنه ، وهو على باب المسجد ، فأقبل عليه ، وأخذ بتلابيبه ، وطوَّق عنقه بحمالة سيفه ، ومضى به نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله هذا عدو الله عمير بن وهب جاء يريد شرًا .. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال قال لعمر : أطلقه ، فأطلقه ، ثم قال له : استأخر عنه ، فتأخر عنه، ثم توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمير ، وقال له : ادن مني يا عمير ، فدنا فقال له : ما الذي جاء بك يا عمير ؟ قال : جئت أرجو فكاك هذا الأسير ، الذي في أيديكم فقال له: فما بال هذا السيف الذي في عنقك ؟ قال : قبَّحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم تقل لصفوان في فناء الكعبة عند الحجر : لولا دين عليَّ ، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً ، فتحمَّل لك صفوان بن أمية دينك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائلٌ بينك وبين ذلك ، فذهل عمير .. وقال : أشهد أنك لرسول الله ، لأن خبري مع صفوان لم يعلم به أحد إلا أنا وهو ، ووالله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي ساقني إليك ، ليهديني إلى الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم : ((فقهوا أخاكم في دينه ، وأقرئوه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا أسيره .. ففعلوا)) .
[كنز العمال 13/37455]
وموطن الشاهد في هذه القصة ، أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال بعد أن آمن عمير بن وهب بالله ورسوله ، واصطلح مع الله ورسوله : دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخنزير أحبُّ إلي منه ، وخرج من عنده وهو أحبُّ إلي من بعض أبنائي ، ولنذكر قوله تعالى :( وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) . [سورة آل عمران]
حينما نؤمن بالحقيقة نفسها ، ونسعى لهدف واحد ، ونسلك سبيلاً واحداً ، وحينما نتمثل القيم الإنسانية الرفيعة ، ونتخلق بالأخلاق الأصيلة التي تسمو عن الزمان والمكان يكون اللقاء حتمياً ، والحب صادقاً والتعاون مثمراً ، وتحقق خلافة الإنسان في الأرض وتصبح البشرية في أرقى أطوارها .
وهكذا ترى أن حب العبد لربه ومولاه وما بتبعه من حب الرسول – صلى الله عليه وسلم – وحب المؤمنين , وحب الخير لهم ولكل المسلمين , بل لكل الناس , والشفقة بالحيوان – ترى أنه أمر تصلح به الدنيا , وتسعد به الحياة , أفرادًا ومجتمعات, ومن فقد هذا الشعور وخلا قلبه منه وأد حياته أو أخذ بها جانبًا بعيدًا عن السعداء
وخاض في واد التيه مع الأشقياء .
ونحتم قولنا بالدعاء :
لندع الله مخلصين كما أمرنا ، فالله جل في علاه لا يحب العمل المشترك , ولا القلب المشترك . فالعمل المشترك لا يقبله الله ، " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك "، والقلب المشترك لا يقبل عليه أصلا .
اللهم ارزقنا حبك ، وحب من يحبك ، وحب كل عمل صالح يبلغنا حبك .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله قوةً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأموالنا والناس أجمعين .
اللهم ارزقنا حب الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين .وانصر ألإسلام والمسلمين في كل مكان . آمين .