ومما ورد في حب الله
قال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.
وفي بعض الكتب: عبدي أنا _ وحقك _ لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.
وقال يحيى بن معاذ:
إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتَهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك وأنا صغير، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.
وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.
أحب الأعمال إلى الله
1 - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
2- أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله .
3 - أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله .
4 - أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم .
5- أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور ٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضيً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
6- يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل .
{ هذه الأحاديث من تخريج السيوطي وتحقيق الألباني }
14 نوفمبر, 2009
خطبة عيد الأضحى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين نحمدك اللهم حمد الشاكرين , نحمدك على نعمك التي لا تحصى ونشكرك على آلائك التي لا تستقصى , ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . وبعد .....
عندما يصل المسلم إلى بيت الله الحرام , ويرى إخوانه المسلمين من شتى بقاع الأرض : الأحمر والأصفر والأسود , على صعيد واحد يقفون , وبنداء واحد يلبون , لياسهم واحد , وهدفهم واحد : أن يغفر الله لهم ويقبلهم . يجتمعون بلا تمييز , ولا تفاضل .
حينئذ ٍ تهب على صفحات الوجوه رياح الذكريات للنبي الكريم وأصحابه الغر الميامين , الذين أزاحوا الكفر بفساده وشره , ودحروا الباطل بكيده وظلمه , وعبَّدوا الناس لله رب العالمين , وطهروا هذا البيت من الأصنام والأوثان , وبجهدهم وصل إلينا هذا الدين .
فإذا كان المسلمون اليوم هم سدنة البيت الحرام , فمتى يكون دينهم هو الغالب وشريعتهم هي القائمة وسلطتهم هي الحاكمة ؟ .
لمن تكون القوامة على الدين ؟ ولمن تكون القوامة على البيت الحرام ؟ .
من أحق الناس بهذا ؟ وعلى أي شيءٍ يرتكز هذا الحق ؟ .
من يحمل إرث الأنبياء ويقوم عليه ؟ . أهم ذرية إسحق ويعقوب ؟. أم ذرية إسماعيل بن إبراهيم ؟ .
هل القرابة أو الجنس يسوغ هذا ؟ . هل حراسة البيت الحرام ورعايته وحدها تضمن لهم هذا ؟ .
لقد ادعى اليهود هذا الحق , وادعى النصارى مثلهم ؛ لأنهم من نسل إسحق ويعقوب .كما ادعى مثلهم العرب لأنهم سدنة البيت الحرام وهم بنو إسماعيل بن إبراهيم .
إن إبراهيم – عليه السلام – لما قال ( قال ومن ذريتي ) قال الله عز وجل ( لا ينال عهدي الظالمين ) .
فليس الأمر على إطلاقه لأن القوامة على الدين لا تكون على ذلك الأساس إنما تكون على أساس آخر هو العقيدة الصحيحة الصافية , والإيمان بالرسل والكتب وحفظ منهج الله من التحريف وصيانته من التبديل .ومن هنا يحق لنا أن نقول : إن بني إسرائيل فقدوا قوامتهم على الدين لأنهم غيروا دين إبراهيم وإسحق ويعقوب وكفروا بالرسل بل قتلوا الأنبياء والمرسلين . وسُجلت جرائمهم في القرآن الكريم وفي كتب أخرى وآثار غير آثار المسلمين .
إن شرط هذه القوامة هو الاستسلام لله رب العالمين ولمنهجه القويم , و هذا هو الذي فقدوه . ولو رجعوا للوراء , لو نظروا خلفهم لو قرأوا التاريخ , لو أخلصوا نيتهم لله ربهم ؛ لكانوا في مقدمة صفوف المؤمنين , وحملة لواء رب العالمين .
وهذا أبو الأنبياء إبراهيم وولده إسماعيل يبتهلان ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ً مسلمة لك ) البقرة . فكانت هذه الأمة ذات العقيدة الصحيحة الواضحة , ذات الرسالة الصافية الناصعة .
ثم يكملان الدعاء ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) البقرة .
فكان هذا الرسول الكريم الذي جاء من ولد إسماعيل .
وعلق القرآن الكريم ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) .
( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) .
( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .
أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) .
فإبراهيم يوصي بنيه , ويعقوب وهو في ساعة الاحتضار وفي أحرج لحظات الحياة وهو في آخر أنفاسه في الحياة – يشغله أمر جلل وشأن كبير : أن تستمر رسالة التوحيد وتبقى الدينونة لله وحده لا شريك له بلا تحريف ولا تشويه .
أما هذه الأمة الوارثة فيوصيها الله عز وجل حتى لا تقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ٍ منهم ونحن له مسلمون) .
أما الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون فلهم خطاب آخر : ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) .
فإن لم يؤمنوا فهم في شقاق مع الله , والله قادر عليهم لا يعجزونه بشيء , ولا يفلتون من عقابه , ولا يصبرون على عذابه .
وإن كان المشركون يدعون أنهم سدنة البيت وأنهم ورثة إسماعيل وإبراهيم ؛ فهي حجة مدحوضة وشبهة مرفوضة !!.
إنهم كفروا بدين إبراهيم وإسماعيل . هذه واحدة .
والثانية أنهم أهدروا حرمة البيت فآذوا المسلمين : أراقوا دماءهم وقطعوا أرحامهم في البيت الحرام .
فلا يستحقون القوامة على البيت إذن . فخلعت منهم إلى يوم القيامة , فلا يقيم عند البيت مشرك , ولا يطوف به عريان .
ومن قبل قد ادعى بنو إسرائيل أنهم حراس الدين والقائمون على الرسالات , بل ادعو ا أن الجنة لهم وحدهم , بلا دليل ولا برهان ؛ إن هي إلا الأماني ليس إلا يقول الله عز وجل : ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصاري تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) .
ويأتي الرد الحاسم , والقول القاطع ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ٌ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
فليس ثمة وشيجة معتبرة إلا وشيجة الدين , وليس هناك قرابة بين نبي وذريته إلا باتباع العقيدة السليمة والتوحيد , التوحيد الخالص من كل شائبة , النقي من الشرك والتحريف . كما أنه ليس هناك قرابة أو صلة بين الله وعباده إلا أنه الخالق ونحن العبيد .
وإذا كانت أمة الإسلام – في يومنا هذا – قد نحُيت شريعتها خلف الظهر قسًرا , وطرحت صُحفها بالظلم أرضًا , ومنعت من أداء رسالتها العالمية , ومن إقامة شريعتها الربانية ؛ التي تسعد في ظلها البشرية , وتهنأ في فيئها الإنسانية - فإن هذا أمر لن يطول وشأن سوف يزول , وما بقبي في عمر الظلم إلا أيام وقد مضى منها الكثير . وسنصبر – بإذن الله – والله مع الصابرين .
سنصبر والله تعالى أخبرنا من قبل بما تعرض له أصحاب الرسالات على مر التاريخ ولكن النصر كان لهم في النهاية {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34 .
ويكفيك أن يكون جزاء صبرك وثمرة جهدك نصرًا أكيدًا , وثوابًا عريضًا , وجنة عرضها السموات والأرض .
( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) . الصف .
إن هذا الحصار الكثيف المضروب حول الإسلام بوسائله المتعددة , عسكريا واقتصاديا وإعلاميا وفي كتب الدراسة والتعليم - من أعدائنا ومن أبناء جلدتنا على السواء لن يدوم ؛ لأن دين الله لا تحجبه مكائد الكفر الضعيفة و لا تغلبه قوى البشر الهزيلة .
لأن الله فعال لما يريد !
إن أراد الله أن ُيقتل المؤمنون وينتصر دينهم فسيكون ما يريد .
أويريد أن يتأخر النصر ويثبت المؤمنون ويمتحنون فيكون مايريد .
أويريد أن ينتصر المؤمنون ويعلو دينهم وتخفق رايتهم وتنتصر شريعتهم فيكون ما يريد .
ونحن على الله متوكلون , وعليه مستندون , وبنصره واثقون .
وإن نصر الله لآت ٍ وكل آت ٍ قريب : (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً }الإسراء51
وعلى الله قصد السبيل
شعبان شحاته
11 نوفمبر, 2009
خواطر مدرس
وبعد ...
أعان الله عبده على صلاة الفجر جماعةً , ثم عاد يرتل أذكار الصباح وبعد قضاء بعض الشؤون , انطلق إلى المدرسة ماشيًا , معتبرًا ذلك وردًا رياضيا يقوي الجسم , ولم ينس عقد نية العلم ، يعلم الأمة , ويأخذ بيد المجتمع .
وهذا دوري , وتلك مهمتي ، وكثيرا ما توارد على الذهن قول الشاعر : كاد المعلم أن يكون رسولا .
وأول ما ساءني في المدرسة قلة الطلاب الحاضرين . هكذا تعودوا كل يوم , لدرجة أن الحصة الأولى لا يكاد نصاب طلابها يكتمل .
لقد غدا طابور الصباح باهتا , وصار الطلاب في حوش المدرسة كحبات عنب قليلة في طبق كبير , يمنعك الحياء أن تقدمه لضيفك .
ثم نظرت فإذا الزملاء متهيئون لأداء رسالتهم , وإنجاز مهمتهم .
وفي الفصل , ألقى التحية , وتلطف مع تلاميذه , وتلطفوا معه , وتم الحوار والمناقشة , وقد أنعم الله علينا ببعض الوسائل التعليمية الحديثة نستعين بها على توصيل المعلومة .
وفي لحظة تسجيل الطلاب لملخص الدرس دار في الذهن حوار : هل سيخرج من هؤلاء عالم فذ في الفيزياء , أو الهندسة , أو الطب . أو اللغة ؟ وإذا كان فهل سيجد من يهيئ له طريق البحث , ويعبد له سبيل الابتكار ؟ .
وكم تنفق الدولة على البحث العلمي في بلادنا ؟ .
أم أنه سيسافر إلى بلد ما , يحتضنه ويستفيد بعلمه وقدراته , ويكفينا نحن أن ينسب الرجل إلى مصر ؟!
هل هذه المواد التي يدرسونها كافية لإنضاج عقلية سوية , وإخراج شخصية علمية , ترتقي بها البلاد , وينتفع بها العباد ؟ .
هل هذه المناهج تخرج أبطالا , وتبرز شجعانا , أصحاب مروءة ونجدة وشهامة , يذودون عن حمى الوطن والكرامة ؟ .
ومتى نقضي على هذا البون الشاسع , والفرق الواسع بيننا وبين الأمم الأخرى في مجال العلم ؟ .
من المسؤول عن هذا الخلل ؟ .
وإذا استمر هذا التراجع , ووهنت قوتنا , وزاد ضعفنا , فهل يدهمنا العدو , ويحكم علينا سيطرته ويفرض علينا قيمه ؟ .
دق جرس الحصة ... وخرجت تحوطني خواطري من كل جانب
ومازالت تتوالى ....
نحن لسنا في حاجة ماسة للعلم المادي فقط .
نحن في حاجة أكثر للعودة إلى الله , إلى قوة الإيمان , لتلتهب مشاعرنا بحب الله والسعي إلى رضاه , لتتفجر بداخلنا قوى روحية جبارة تسري منا إلى هذا المجتمع فتحييه , وتدب فيه الروح من جديد ، فتقيل عثرته , وتبعث همته .
هذا الإيمان سيعيد إلينا حضارتنا العظيمة , ويرد إلينا مجدنا التليد , كما بعث الله به قوما من قلب الصحراء ، كانوا أميين , لا علم لهم ولا حضارة
فإذا بهم - في فترة وجيزة من الزمان - يقضون على ممالك الفرس والروم . ودانت لهم الدنيا بأسرها .
لأنهم كانوا يقيمون العدل , وينشرون الحق , ويعبدون الناس لله رب العالمين .
ولأنهم أخذوا بأسباب العلم المادي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
وإذا المعركة بينهم وبين عدوهم تتحول لصالحهم , في مجالها العسكري , وفي مجالها العلمي على السواء .
ذلك لأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم .
فصارت المعركة بين الله وبين الكافرين , وما المؤمنون إلا ستار تحقق به قدر الله في الأرض .
والمجال المادي وحده لا يكفينا للتقدم والرقي إذا أهملنا دورنا ؛ لأننا أصحاب رسالة الإسلام وأتباع خاتم النبيين – صلى الله عليه وسلم – وحاملوا لوائه من بعده , حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله .
ونحن على يقين بأن عدونا لن يترك لنا هذا المجال – العلوم المادية – لنتساوى معه فيها .
ولم أجد مخرجا من هذه الدائرة إلا اللجوء إلى الله : اللهم أقل عثرتنا , وحقق غايتنا , وانصر أمتنا , واهد قومنا , وخذ على أيدي الكافرين , ودك دولة الطغيان , وانقض عروش الظالمين , إنك على كل شيء قدير . آمين .
شعبان شحاته / مدونة الطريق إلى محبة الله .
04 نوفمبر, 2009
شارك وكن إيجابيا
الحملة الشعبية للقيد بالجداول الانتخابية من 1/11/2009وحتي 31/1/2010
25 أكتوبر, 2009
الاعتداء على الأقصى
الاعتداء على الأقصى وكرامة العرب والمسلمين
قال الشيخ القرضاوي والشيخ كمال الخطيب ( وقولهما حق ) :
{ اقتحام الأقصى ترويض للعرب } .
نعم ترويض للعرب :
هل يواصل العرب احتجاجهم الذي يقابل بالقمع من حكامهم الأشاوس .
هل يستطيع الحكام مواصلة إحكام القبضة على الشعوب أم لا ؟ .
هل يمكن أن يضيع الحق الفلسطيني تحت هذا الضغط المتواصل , أو على الأقل يضيع جزء منه ؟ .
هل يستطيع أعداء الأمة أن يقهروا الإسلاميين عن طريق عصا الحكام الغليظة ؟ .
هل جرأهم على ذلك استجابة بعض النخب الصحفية , وثلة من رجال السياسة , وبعض الرموز الأزهرية للضغوط أو الإغراءات الغربية ؟ .
إن المسجد الأقصى ليس بلقمة سائغة تؤكل ويسكت المسلمون والعرب عنها .
لا المفاوضات واللقاءات , ولا الأحضان والقبلات , ولا المدفع و البندقية , ولا التجويع والحصار , كل ذلك لن يجدي شيئا في ابتلاع الأقصى وفلسطين .
ولن يسكت العرب والمسلمون .
وكل من يستند على أمريكا وعلى المجالس الدولية , المنحازة للظالم الجلاد ضد المسلمين في كل مكان , فإن سندهم سيحول ويزول ولن يبقى إلا سند الله وحده .( ولتعلمن نبأه بعد حين ) .
والأقصى هو ثالث الحرمين , ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم , الذي بارك الله حوله بعصبة لا تلين قناتهم , ولا تنثني إرادتهم , هذه العصبة ستكون شوكة في حلوق المحتلين وأذنابهم , وستهب الشعوب – ولو بعد حين – لتخلص الأرض والعرض والمقدسات والحرية والكرامة والوطنية من أيدي المغتصبين .
سؤال وجيه : ماذا سيقول حكام المسلمين أمام الله وأمام التاريخ ؟ .
ألا يفكرون ويتساءلو ن عن صورتهم في أذهان الناس ومخيلة الشعوب ؟ .
أليست هناك غيرة على الأوطان ؟ وحمية للمقدسات ؟
أيها الناس : أيهما أغلى المصلحة الشخصية , أم مصلحة الشعب والأمة ؟ .
أيهما أقدس اتباع الهوى أم حرمة المساجدودور العبادة؟ .
وأخيرًا هل يكفي الشعوب العربية والإسلامية أن تلقي باللوم على حكامها , ويعفيها ذلك من المساءلة أمام الله ؟ .
يارب اكشف عنا هذه الغمة ؛ إنك على كل شيء قدير .
22 أكتوبر, 2009
الشوق إلى أرض الحرمين
يملأ قلبي شوق عارم إلى أرض الله الطاهرة مهد الدعوة , ومهبط الوحي على خاتم المرسلين , حيث نزّل القرآن الكريم , النور المبين , ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينا ) النساء 174.
( ...قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) المائدة15 , 16.
ولست أدري هل مبعث هذا الشوق هوالفرار من :
تتابع مشاكل الدنيا , وكثرة متاعب الحياة ؟ .
أم ندرة الصديق , وشح الرفيق
أم كثرة الظلم الواقع على المسلمين في كل مكان , من أبناء جلدتنا , والمنتسبين إلى الإسلام , ومن الأعداء , أو من تعاون الاثنين معا ؟ .
أم من الشعوب الساذجة القانعة الخانعة ؛ فاستنعجت واستخف بها ؛ فضيعت كرامتها , ونهبت ثروتها ونحيت شرعتها ؟ .
أم من ضيق الرزق , وشظف العيش , وعجز المسؤولين عن توظيف القدرات العلمية , والأيدي المهنية ؟ .
أم بسبب ضعف الاستفادة بالمساجد , المقيدة بقوانين الداخلية , والتي يعلوأكثر منابرها غير المؤهلين دعويا وعلميا ؟ .
أم بسبب الديون التي يغرق فيها المصريون , والأقساط التي تثقل كواهلهم ؟.
أم بسبب ما ظهر من الطبقية , فهؤلاء مقربون أغنياء , وهؤلاء مبعدون أشقياء ؟ .
أم لأن تربية الأود صارت همًا ثقيلا وعبئا كبيرًا ؛ حيث أصابهم بعض ما أصاب المجتمع من الفساد ؟ .
أم بسبب الشعور بالظلم من تقييد الحريات , وتكميم الأفواه , وتزوير الانتخابات , والاستهانة بإرادة الأمة ؟ .
إني مشتاق إلى أرض الله الحبيبة ..
لأنني في حاجة إلى تنسم حياة الرسول وأصحابه الكرام , تلك الحياة الصافية , حياة العدل والمساواة , والرحمة والمؤاخاة , التي كان يحنو فيها القوي على الضعيف , والغني على الفقير , عندما كان الإمام خادما للرعية وأجيرا عندها .
عندما كان يقول الأمير بحق : وليت عليكم ولست بخيركم , إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني !!
نعم أنا مشتاق للإسلام ولتطبيق تعاليمه السامية , ومبادئه العالية .
أريد أن أجد جوا صافيا أحسن فيه عبادة ربي , أدعوه وأناجيه , وأذكره و أشكره , بلا منغصات , ولا مكدرات .
أنا لست أهرب من واقعنا الذي نعيش فيه , وإنما أذهب لأتزود لقلبي وروحي , لأعود مشعلا مضيئا , ونسيما يسري في الناس فيحييهم بتعاليم القرآن , ومبادئ الإسلام .
نحن لن نضيع والله ولينا , ولن نهون ونحن الأعلون : منهجا ورسالة وكتابا .
والنصر مكتوب للمؤمنين , والعاقبة للمتقين .
والسلام عليكم .
شعبان شحاته / الطريق إلى محبة الله .
07 أكتوبر, 2009
مدرسة الحج التربوية
بقلم: إسماعيل حامد
تتمثَّل عظمة الإسلام في أنه دين عملي وواقعي وحركي؛ ينطلق بالمسلم من حيث هو، يأخذ بيده ويرتقي به، ويُهذِّب من سلوكه ويُغيِّر من عاداته، وفق ما يلقاه المسلم في يومه من مواقف دينية أو دنيوية، وأنه دين لا يغفل أي موقف يحياه المسلم إلا ويجعله منطلقًا للارتقاء به، وأنه دين يجعل من عباداته رافدًا أساسيًّا في تربية النفس وتزكيتها وتهذيبها وإصلاحها، وأنه دينٌ يجعل الأخلاق مقترنةً بالعبادات في تلازم وتجانس بديع لتكون أثرًا من آثار العبادة المقبولة؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعوِّد على الانضباط والإتقان، والزكاة مدرسة للبذل والعطاء وطهرة للنفوس وتكافل اجتماعي بنَّاء، والصيام ينمِّي الصبر بأنواعه ويوحِّد مشاعر المجتمع في حالة يعز نظيرها.
أما عبادة الحج فتتجسَّد فيها قمة العمل التربوي؛ لتصبح ميدان تربية متكاملة، وتهذيبًا قويمًا للنفس، وإصلاحًا وتغييرًا للسلوك، بصورة أكبر مما هي عليه في العبادات الأخرى؛ وذلك لما للحج من مكانةٍ في النفوس وشوقٍ في القلوب، ولهفةٍ وولعٍ يعتصر أفئدة المؤمنين، وإن من روعة هذا الدين أنه جعل من فريضة الحج مدرسة تربوية متكاملة؛ اجتمعت فيها غالبية العناصر التربوية المطلوبة في العمل التربوي الفعال، فنجد في الحج تلك العناصر:
* استعداد المُربَّى: ففي رحلة الحج تتحقق الرغبة واللهفة في نفس المسلم؛ حيث يحمله الشوق واللهفة إلى القيام برحلة الحج؛ شوقٌ إلى لقاء الله ورؤية بيته الحرام، وشوقٌ إلى السلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم، وشوقٌ إلى تجديد العهد والبيعة مع الله، وهي مظاهر تدل على مدى حرص المسلم وإقباله طواعيةً على هذه العبادة؛ مما ييسِّر تحقُّق أهدافها التربوية في النفس.
* بيئة صالحة للتربية: فلا أروعَ من بيئةٍ تضمُّ بيت الله الحرام ومسجد الحبيب المصطفى والبقاع الطاهرة التي وقف عليها رسول الله، وموضع آثار أقدام الشهداء والمجاهدين من الصحابة الكرام، فتجتمع بذلك أطهر بيئة صالحة للتربية والتأثير والتغيير في نفس المسلم.
* صحبة صالحة مُعِينة: فإن المسلمَ يكون وسط جموع صالحة جاءت تُلبي نداءَ الرحمن؛ كل هدفها السعي إلى مرضاة الله، والفوز برضاه، تقدم العمل تلو العمل، لا تملك إلا أن تكون في معية الله وفي رحابه، فتكون تلك الصحبة خير معين على تزكيةِ النفس وتربيتها التربية الإيمانية.
* منهج تربوي متكامل: من خلال مناسك تتدرج بالمسلم خطوةً خطوة، وتسمو بنفسه، وتُعلي من إيمانياته، تأخذ بيده إلى الله، فنجد المسلم الحاج يقرأ فقه الحج والعمرة كاملاً بكل أحكامه، ويقرأ في الجوانب الروحية المنبثقة من الحج، وينظر في محظورات الإحرام لتجنبها، وأحكام الفدية والهدي وغير ذلك من قراءات تتعلق بالحج، ويظهر الأثر الحقيقي للمنهج هنا في حرص المسلم على الإلمام به كله إلمامًا تامًّا، متمثلاً جوانب المنهج الثلاثة (المعرفية والوجدانية والسلوكية).
* وسائل تربوية متعددة: تشمل الرحلة الطويلة والقصيرة الداخلية والخارجية، المبيتات الروحية والمعسكرات والمخيمات والندوات التي تقام طوال الرحلة، ووسائل تزكية النفس المتعددة من خلال الصلوات في الحرم، والاعتكاف فيه، والطواف والسعي؛ فنرى في الإحرام تربيةً، وفي التلبية تربيةً، وفي الطواف تربيةً، وفي السعي تربيةً، وفي رمي الجمرات تربيةً، وفي الحلق أو التقصير تربيةً، وفي الصلاة في الحرم تربيةً، وفي الاعتكاف تربيةً، ومن هنا فإن الحج مدرسة تربوية متكاملة؛ تربِّي المسلم تربية عقائدية وإيمانية وأخلاقية... إلخ.
وهذه هي مقومات النجاح لأي منهج تربوي: أن يتوفَّر لدى المتلقي له الرغبة في الإلمام به واستيعابه، وأن يتأثر به في أفعاله وتصرفاته، مع وجود منهجٍ تربوي مناسب وبيئة تربوية مُعِينة وصحبة صالحة تأخذ بيده، وهذا ما يقع للمسلم في رحلة الحج.
ومن صور مدرسة الحج التربوية أنها:
مدرسة للتربية الإيمانية
فمن خلال الحج تتحقَّق التربية الإيمانية وتتكامل وتبدو معالمها من خلال ما يلي:
- التربية على تعظيم شعائر الله: وهي من أعظم غايات الحج؛ حيث يتربَّى العبد على تعظيمها وإجلالها ومحبتها وإكرام أهلها والتحرُّج من المساس بها أو هتك حرمتها، ويزداد التعظيم والخضوع في قلب المسلم انطلاقًا من قوله جل شأنه في ثنايا آيات الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾ (الحج)، وتلك هي البداية؛ أن يعظِّم شعائر الله في رحلة الحج، ثم يتواصل في تعظيم شعائر الله بعد عودته، لتكون حياته كلها وفق منهج الله وشرعه، ويتربَّى أيضًا على تعظيم حرمات الله من خلال امتثال قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الحج: من الآية 30).
- التربية بالتذكير باليوم الآخر: في مواقف تحصل للحاج؛ منها (خروجه من بلده ومفارقته أهله يُذكِّر بالفراق حال الخروج من الدنيا- التجرد من المخيط وترك الزينة يُذكِّر بالكفن وخروج العباد من قبورهم حفاةً عراةً غرلاً- والترحال والتعب والازدحام مع العطش والعرق يُذكِّر بمواقف عرصات القيامة وحشر العباد)، ويعجب المرء حينما يجد الكثير من المسلمين- خاصةً من غير العرب- من يأتون من ديارهم ومعهم أكفانهم، يغسلونها بماء زمزم تبركًا به واستعدادًا للقاء الله، ومن ثَمَّ يعود المسلم بعد رحلةِ الحج، ولديه إقبال على الله ورغبة في لقائه.
- التربية على الإكثار من ذكر الله تعالى: الحج شعيرة يملؤها الذكر ويمنحها مزيدًا من الجلال والبهاء؛ قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: من الآية 198)، وفي الحديث "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله في الأرض"؛ فالإكثار من ذكر الله من شيم وصفات المؤمنين، وما أروع حداء المؤمنين وهم يجهرون بالتلبية مع كل صعود وهبوط في نواحي مكة!، وما أروع تكبيرهم وتهليلهم لله عز وجل في منى وعرفات والمزدلفة وعند المشعر الحرام!، إنه ذكر الله الذي به تطمئن القلوب.. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد).
- التربية على اجتناب الذنوب: يقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: من الآية 197)، فهي دعوة وتربية على أن يتجاوز المسلم المعاصيَ ويتجنبها ولا يقع فيها أثناء أدائه لمناسك الحج، ومن ثَمَّ فهي تربية له لمواصلة ذلك بعد العودة.
- التربية على الاجتهاد في الطاعات واستغلال الوقت: وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: من الآية 197)؛ فالمسلم في الحج يُحسن استغلال وقته في طاعة الله ما بين طواف وسعي وصلاة وذكر.. إلخ، ويتربَّى على حسن الاستفادة من وقته فيما يعود عليه بالخير والقبول عند الله.
- التربية على الدعاء ولذة مناجاة الله: فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء عرفة"، وفي الحج مواضع مقرونة بإجابة الدعاء؛ فضلاً من الله ومنةً؛ منها: الطواف، الصفا والمروة، يوم عرفة، عند المشعر الحرام، بعد رمي الجمرات، علمًا بأن الحج كله سوق رائجة رابحة للدعاء والابتهال والاستغفار، وهو تعويد للمسلم على اللجوء إلى الله دائمًا، وفي كل وقتٍ وحين، والأنس بمناجاته سبحانه وتعالى.
- التربية على الاستقامة بعد الحج: فالمسلم العائد من الحج يجد نفسه ملزمًا بالمحافظة على بقاءِ صفحته بيضاء بعد أن غفر الله له في الحج، وفي ذلك قال الحسن البصري رحمه الله: "الحج المبرور أن يرجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، ويشهد لذلك قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد).
مدرسة للتربية الأخلاقية
فالحج مدرسة تربوية تقوم على تقويم الأخلاق وتهذيبها، وقد شُرع الحج لتقويم الكثير من الأخلاق ومنها:
- التربية على العفة وكظم الغيظ وترك الجدال: كما في قوله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: من الآية 197)؛ فالرفث هو الجماع ودواعيه من قولٍ أو فعلٍ، والجدال أن تجادل صاحبك حتى تُغضبه ويُغضبك؛ فهي صورة من صور غرس القيم في نفس المسلم، وترك المنهي عنه.
- التربية على اللين والرفق والسكينة: كما قال عليه الصلاة والسلام حين سمع جلبةً وصخبًا في الدفع لمزدلفة: "أيها الناس.. عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع"، والإيضاع هو الإسراع؛ فالحاج يتربَّى في نسكه على أن يكون صاحب رفق وسكينة، وخشوع وطمأنينة؛ ليعتاد ذلك كله في حياته كما هي في عباداته.
- التربية على إنكار الذات: والاندماج في الجماعة في اللباس والهتاف، وفي التنقل والعمل؛ فإن النفس تذوب في هذا الكيان البشري الواحد، ويصبح الكل يتكلم بلغة واحدة وخطاب واحد وهتاف واحد وشعار واحد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، فيتولد في النفس المسلمة شعور بأنه جزء من هذا الكيان، ويتضاءل حظ النفس وحب الأنانية في ذاته، فيكون مسلمًا اجتماعيًّا؛ يعيش لأمته ويحمل همومها ويتكلم بلسانها ويهب نفسه لها.
- التربية على التواضع: يستشعر المسلم ذلك حين لا يمتاز أحد عن أحد، ولا تكون لحاج خاصية أو ميزة عن غيره من الحجاج في الأمور الدينية؛ فالأركان والواجبات والمسنونات متماثلة في حق الجميع، فيتربَّى المسلم على روح التواضع الجم، ويحقِّق قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: من الآية 54)، ويعيش سعيدًا بانتمائه لهذه الحشود المؤمنة، ويُغلِّب روح التواضع على الكبر والعجب بالذات.
التربية على الصبر بأنواعه: صبر على مشقة الطاعة، وما أحلاها من طاعةٍ يصبر المسلم عليها رغم مشقتها ويسعد بأدائها!، وصبر عن المعصية، خاصةً مع التزاحم وكثرة الناس، فيُجنِّب نفسه الوقوع في المعاصي وما أكثرها وقت الحج!؛ بدءًا من تدافع وإيذاء للمسلمين، ونظرة هنا أو هناك، وصبر على قضاء الله الذي يعرض للحاج، من ابتلاء أو تمحيص أثناء رحلة الحاج، وفي ذلك تعويد له على الصبر على قضاء الله وقدره في حياته بشكلٍ عام.
- التربية على البذل والعطاء: فالحج عبادة بدنية مالية، وفي المشاعر تتسامى المشاعر فيبذل المسلم من ماله لسقيا الحجاج أو تفريج كربهم وسد حاجتهم، ونجد في الحج تسابقًا عجيبًا لهذا البذل والجود والكرم، وفي التاريخ نماذج رائعة؛ فهذا عبد الله بن المبارك الذي كان يحمل معه في رحلة الحج أكثر من ثلاثمائة يخرجون من بلدته "مرو" وعلى نفقته الخاصة، وغيره الكثير، وما نراه اليوم في الحج يؤكد تلك المعاني، من التسابق في البذل لإطعام الحجيج وإكرام وفادتهم.
- التربية على تحقيق معاني الأخوة والمحبة والتآلف: خاصةً حين يكون الحج مع رفقةٍ وصحبة، وتتلاقى الأنفس وتتعارف، وتأتلف القلوب والأرواح، وتتحقق زمرة القلب الواحد في أمة الإسلام في رحلة الحج وتتجسد في أروع صورة؛ فالحج مؤتمر إسلامي عالمي كبير؛ تتحقق فيه الوحدة الإسلامية بأروع صورها.
مدرسة للتربية الجهادية
وتُعَد فريضة الحج من أقوى الوسائل المُعِينة على مجاهدة النفس؛ مما يسهل معه قيادتها وتوجيهها، ومن الصور التي تبرز لنا من خلال الحج في هذا المجال:
- التربية على الاستسلام والخضوع لأمر الله والمجاهدة فيه: ويكون هذا بإيثار محبة الله ومرضاته على رغبات النفوس وشهواتها؛ مما يقود إلى مرتبةٍ أعلى ومنزلة أسمى حين لا يكون للعبد إيناس ولا استئناس إلا بما يُرضي الرب سبحانه، وحينها يبلغ إيمان المسلم درجةً عاليةً عزيزةً بفضل الله وتوفيقه، وينتصر على نفسه، ويخضع لشرع الله.
- التربية على صدق العزيمة وقوة الإرادة: فمن حج البيت فقد أرغم هواه وغالب لذة الراحة والدعة ومضى لأمرٍ يعلم مشقته ولا يستمع لقول القائل من المثبِّطين، وهكذا يجب أن يكون المسلم في أموره وحياته؛ يجاهد نفسه ويحملها على أن تكون صاحبة إرادة قوية لا يتطرَّق إليها ضعف.
- التربية على تحمُّل تبعات الطريق ومواجهة الصعاب: من خلال تحمُّل مشاق رحلة الحج وما فيها من غربة عن الأهل والأرض.
- التربية على تحمُّل تبعات الخطأ: فالمسلم مطالب بأن يكون شجاعًا في الاعتراف بالخطأ إذا وقع منه، وهي أعظم درجات الشجاعة، ويظهر ذلك جليًّا في وجوب الفدية على مَن ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام أو ترك واجبًا، ولا شكَّ أن الشعور بالمسئولية وتحمُّلها علامة نضج وكمال الإنسان، وهي غاية من غايات التربية الناجحة؛ فالحج تربية على ذلك الأمر.
- التربية على هَجْر العاديات وتغيير المألوف : فالعاديات ما اعتاده الواحد من سكون ورخاء، ويكون هَجْرها بقوة التعلق برضا الله سبحانه وسلعته الغالية، وهي منزلةٌ عاليةٌ لا يصلها المسلم إلا بمجاهدة قوية لنفسه وشهواتها، والحج يكون فرصة لتحقق هذه المجاهدة، ومن ثم الاستمرار عليها بعد ذلك.
مدرسة للتربية الحركية- التربية على النظام والانضباط: فللمناسك ترتيب ونظام لا يقبل الإخلال بهما؛ وكم في الناس من مزاجية لا تنضبط إلا بالحج!؛ فالحج يعوِّد الأخ المسلم على أن يكون منضبطًا في أموره، حريصًا على الدقة والنظام، مراعيًا التسلسل الطبيعي للمناسك، والانضباط التام بكل ما تحويه تلك المناسك من أعمال، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يُقدِّم ولا يؤخِّر، بل انقياد وانضباط تام.
- التربية على استشعار وتحمُّل المسئولية: فالحاج هو المسئول عن إتمام المناسك لا غيره، فيتربَّى على استشعار المسئولية الفردية، وتتولَّد لديه الذاتية والإيجابية للقيام بكل ما تتطلبه منه أعماله الحياتية والدعوية بشكلٍ عام.
- التربية على الجماعية في الأداء: فقد يكون في صحبة أو رفقة فيتولَّى بعض أمرهم، فيتاح له من التطبيق العملي والتدريب المكثَّف ما لم يكن متاحًا له بغير الحج، فيتربَّى على حسن القيادة وحسن الخدمة لإخوانه الحجاج معه، فيشعر بالسعادة والسرور إذا قدَّم خدمةً لغيره من الناس، فيساعد المحتاج ويحمل الضعيف ويواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة، ويبادر دائمًا إلى فعل الخيرات.
- التربية على وجوب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فاجتماع الناس بهذا العدد في الحج فرصة سانحة لدعوتهم وتصحيح مفاهيمهم وتقويم سلوكهم وعرض الدعوة عليهم، وقديمًا روي عن أحد الصالحين: "كنت أحج مع سفيان الثوري؛ فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا"، وقد كان الإمام البنا ينتهز فريضة الحج ليبلِّغ دعوته للحجيج من كل مكان؛ فكان يعرض دعوته وينشر رسالته، حتى يفتح الله على يديه، ويجد مَن يبايعه على هذه الدعوة المباركة، حتى يوصِّلها إلى العالمين، وقد كان بفضل الله.
تلك بعض الصور البسيطة التي تظهر لنا من آثار مدرسة الحج التربوية، وإلا فالدروس والعبر كثيرة، ولا تقف عند شكل ما، بل تمتد لتشمل حياة المسلم كلها، وحياة المجتمع من حوله، فتكون التربية من خلال فريضة الحج تربيةً ذات أثر إيجابي في الفرد والمجتمع؛ ولذلك كانت رحلة الحج هي رحلة العمر، والتي بها يبدأ عمر الإنسان من جديد، ويتجدَّد لديه الإيمان والإسلام، ويقوى فيه العزم والإرادة، وينشط فيه الحرص على الطاعة والعمل الصالح، فما أروعها من فرصةٍ للمسلم كي يغيِّر من نفسه ويرتقي بها!، وما أحوج المربِّين إلى الاستفادة من تلك الفريضة لتحقيق أهداف العمل التربوي من خلال رحلات حج جماعية، قد توفر الكثير من الوقت والجهد للوصول إلى الهدف المنشود في إصلاح النفوس وتربيتها وتزكيتها؛ لأن المسلم من خلال تلك الرحلة المباركة يكون قد عايش عناصر العملية التربوية كاملةً؛ (من استعداد نفسي وبيئة صالحة وصحبة صالحة ومنهج تربوي ووسائل تربوية)، وتفاعل معها وتأثر بها، وبالتالي كان ولا بد أن يظهر الأثر بعد إتمام رحلة الحج المباركة في شخصية المسلم؛ فيُعينه الله في إحداث هذا التغيير الشامل في النفس ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ 17(محمد)، ويُعينه بأن يجعل صفحته السابقة بما حملت من آثام ومعاصٍ وذنوب كأنها لم تكن؛ فيبدأ المسلم في صفحة جديدة مع الله ومع النفس ومع الناس والمجتمع من حوله.
06 أكتوبر, 2009
من أعجب الأشياء
من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه بنعيم الإقبال عليه والإنابة إليه .
وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض، وفيما يبعدك عنه راغب !!!.
حقيقة المحب الصادق :
المحب الصادق من وجد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة .
من فقد أنسه بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف . ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول . ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود ، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله، ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها، ومن كان فتحه بين الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم، ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه في أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس ، فأشرف الأحوال ألا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه فكن مع مراده منك ولا تكن مع مرادك منه .

