ومما ورد في حب الله

ومما ورد في حب الله تعالى :

قال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.

وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.

وفي بعض الكتب: عبدي أنا -وحقك - لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال يحيى بن معاذ:

إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتَهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك وأنا صغير، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.

وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.


أحب الأعمال إلى الله

( أحب الأعمال إلى الله }
1 - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
2- أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله .
3 - أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله .
4 - أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم .
5- أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور ٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في المسجد شهرًا ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضيً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزول الأقدام وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .
6- يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل .
{ هذه الأحاديث من تخريج السيوطي وتحقيق الألباني }

الأحد، 3 فبراير 2013

إنهم يحاربون



إنهم يحاربون ..
ليتصدروا المشهد وحدهم ولإقصاء الإسلام عن مسرح الحياة
لا أحد يستطيع أن يفلت من الأحداث المتلاحقة ، التي تلدها الأيام الحبالى بكل ما نتوقعه وما لا نتوقعه .
والمشهد ساخن ومتوقد يشد الأعصاب ، ويقلق المشاعر ، والمؤمن له في هذه الأحداث خواطر ..
فالعين تنظر إلى أولئك الذين يبزغون من حين لآخر بآرائهم ومواقفهم يريدون أن يديروا دفة الأمور في بلادنا حسبما تملي عليهم شياطينهم .
إنهم يخوضون حربا مقصودة ، ويتخذون وسائل غير مشروعة ويتمسحون في الوطن والمواطن ولا بأس أن يطالبوا بالعدالة  الاجتماعية والفن والحرية ، بيد أنهم  لم يجمعوا شريعة الله ومنهجه من ضمن مطالبهم !!
ونُسيت قواعد الديمقراطية ، وأهملت إرادة الجماهير ، وطرحت اختيارات الشعوب ؛ لأنها لم تأت بهم !!
ومن ثم يبدو المشهد واضحا ، فهم لا يبحثون عن قيم تضبط إيقاع الحياة ولا عن موازين تعدل كفتها ، بدليل سكوتهم عن إراقة الدماء ، وعن الشغب وتعطيل العمل والإنتاج ، وإغلاق الميادين وتعطيل حركة السير والمرور .
ولو كانت معارضة حقيقية – كما يدّعون – ولو كان دافعهم الوطن والمواطن – كما يزعمون – لرأينا خططا بديلة ، وبرامج مبتكرة ، ووسائل جديدة لدفع عجلة الإنتاج ، وزيادة حصيلة الاقتصاد .
لأننا نفهم أن المعارضة الشريفة هدفها مصلحة الوطن ، لكنها تختلف مع النظام الحاكم في الوسائل والرؤى .
بيد أننا لا نرى ذلك في المعارضة عندنا .
بل إنهم يعطلون الإنتاج ، ويعرقلون الخطط ، ويشوهون المنجزات ، بل إن بعضهم خاطب الدول الأجنبية يدعوها ألا تدعم مصر اقتصاديا !!
ولسان حاله يقول : إما أن نكون في الصورة والصدارة أو نفشلها .
ومن جهة أخرى يريدون إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحياة بكل ما أوتوا من قوة ، وعند هذه النقطة تلتقي الأطياف الليبرالية والعلمانية واليسارية ومن على شاكلتهم .
وهذا ما جعلنا نسترجع الصور القديمة للقوى التي وقفت في وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ودعوته .
وذلك عندما قالوا : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ... } سبأ 31
فلا يطيب لهم منهج الله ولا يروق لهم أشكال من يحملونه .
  .{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }فصلت26
جاء في تفسير الجلالين : عند قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) إيتوا باللغط ونحوه وصيحوا في زمن قراءته (لعلكم تغلبون) فيسكت عن القراءة .
وهذا هو النفير الإعلامي والصخب المزعج الذي نسمعه صباح مساء بلا كلل ولا ملل من السب والشتم من القنوات التي لا تألو في المؤمنين إلا ولا ذمة ، يشجعهم على ذلك مال مدفوع بغزارة ، إلى كل صاحب رأي ومهارة ؛ لكي يجهضوا المشروع الإسلامي في مصر ؛ لأن نجاح المشروع الإسلامي في مصر سيكون ضمانة النجاح لهذه التجربة في كل دول الربيع العربي ، أو في كل الوطن العربي .
ولا تسل عن ضمائرهم ووطنيتهم ، - بعد ذلك – فقد مدوا أيديهم إلى عدو خارجي وإلى مناوئ داخلي ، ليملأوا جيوبهم ويمدوا هذه الأيدي نفسها إلى وطنهم بالإيذاء والتخريب !!
وتذكرت معنى آخر في سورة الحج عن تصرف أولئك الذي يكرهون الشريعة ويبغضون من يحملها :
 { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }الحج72 .
يقول صاحب الظلال (بتصرف ) :
وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً ، وما ليس لهم به علم . لا يستمعون لدعوة الحق ، ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول . إنما تأخذهم العزة بالإثم ، ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام الله : إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة ، ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عندما يخذلهم الدليل ولايملكون الحجة. وذلك شأن الطغاة دائماَ يشتجر في نفوسهم العتو ، وتهيج فيهم روح البطش ، ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ!
ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد : { قل : أفأنبئكم بشر من ذلكم؟ } بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوي عليه نفوسكم ، ومن ذلك البطش الذي تهمون به . . { النار } . . وهي الرد المناسب للبطش والمنكر { وبئس المصير } اهـ .
ولاحظ لفظة ( يسطون ) التي تعني يثبون ويقفزون ، وأوصلهم إلى ذلك الحنق والبغض الذي تنطوي عليه نفوسهم .
وقد وصف الله تعالى أولئك الكفار في حالهم مع القرآن والإسلام :
{{ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }الزمر45
أقول : لا شك أن أبصارهم عميت ، وبصيرتهم طمست ...
فكل إنسان ذي عينين يرى ببصره وبصيرته أن عروش الطغاة ما كان لقوة بشرية أن تزيحها عن كراسي الحكم أو تبعدها عن مسرح الملك ، بما كانت تمتلك من الجند والعتاد والتحصن بكل أنواع العتاد .
وقديما أغرق الله فرعون صاحب السلطان وعساكره وأركانه ، وخسف بقارون الأرض  صاحب المال ومفاتحه وخزائنه ، وجعلهم عبرة لمن يخشى وآية لمن يتذكر .
ألا فليعلموا أن إرادة الله النافذة وقوة الله المطلقة هي التي تدير الأحداث وتدبر الأمور وتشكل المشهد . فلن تقف أمام قوة الله قوة ، ولن تقف أمام إرادة الله إرادة ؛ لأن الله على كل شيء قدير ، وهوسبحانه فعال لما يريد .
ومثل حالتهم قولُ الشاعر :
 كناطح صخرة يوما ليوهنها    فما وهنها ولكن أوهى قرنه الوعل
فهم إذا حسبوها بالمقاييس السياسية ستنتصر الثورة المصرية والعربية – بإذن الله – ؛ فإن الذين يحملون الأمانة في بلادنا اليوم هم من يحترم العملية الديمقراطية ، ويتحمل المشاق ويتجشم الصعاب ، وهم طاهرو اليد نظيفوا الثياب ، حريصون على مشاركة الجميع في المشهد السياسي ، ولا يطمعون في الاستئساد بكل شيء .
في حين تجد الطرف الآخر لا خطط لديه ولا برامج ، إنما يتصيدون الأخطاء من هنا وهناك ، ويرغدون حولها ويزبدون ؛ لإشعال الفتنة وإثارة البلبلة ، طمعا في أن تنصرف إليهم الجماهير ؛ ليكونوا هم المخلّصين !!
وفي هذا ما فيه من تسفيه المواطنين ، لامتطاء ظهورهم من جديد ليحيوا نظاما قديما ويعيدوا عهدا أليما من الظلم والطغيان التى أراح الله منه البلاد والعباد .
إن العدو الخارجي لن يجد له مكانا إلا عن طريق هؤلاء الطامعين لمصالحهم الشخصية الطامحين لأمجادهم الذاتية .
من أجل ذلك فهو يدفع بسخاء ، ويشجع في خفاء ، ويلعب في دهاء ، لعل الكرّة تكون له ، وأنى لهم هذا ، وقد توكلنا على الله ،واستندنا إليه واعتصمنا به :
أوحى الله إلى داود" وعزتي ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها والأرض بمن فيها إلا جعلت له ما بين ذلك مخرجًا " .
{ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }إبراهيم12 .
والله تعالى ينادينا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران200
فالتقوى مطلوبة في كل مراحل الصبر وفي كل خطوات المشوار ، فليس معنى أن يُظلم المرء أن يتهور دفعا للإيذاء ، أو يركن تحت وطأة العداء .
( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)
إذن هو الصبر والتحمل ، والحلم والتجمل حتى تبحر السفينة وترسو على الجودي ..
وصايا عملية :
وصية لكل عامل لإصلاح البلاد وإقامة الشريعة ، وإرساء القيم ، أن نصلح ما بيننا وبين الله وأن نبذل ما في وسعنا ، وننفق ما في طوقنا {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن 16 .
والزهد في الدنيا وطرحها خلف الظهور : قال أبو واقد الليثي :
 . تابَعْنَا الأعمالَ (أحْكَمْناها وعَرَفْناها) فلم نَجِد شيئاً أبلغَ في طَلَبِ الآخِرة من الزُّهْدِ في الدُّنيا) . والزهد هو : ارتحال القلب عن الدنيا
قوة الإرادة وطول النفس والصبر والمصابرة والمرابطة اليقظة وحراسة الوطن والدين والتقوى في كل حين
إن الأعمال المطلوبة من الدعاة اليوم أكبر وأكثر في هذا العهد - عهد البناء -  أكثر مما كان مطلوبا منهم وقت التضييق ، فإذا كان لنا حجة في السابق فما حجتنا اليوم ؟
وترقبوا بعد ذلك النصر والتمكين ...
إن هذا الطريق الطويل اللاحب آخره نصر مبين ، وفوز عظيم ، لأن وعد الله مؤكد ووعد الله حق ( وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ) (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة111).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
شعبان شحاته

الجمعة، 25 يناير 2013

التصور الإسلامي والثقافة / من كتاب معالم في الطريق للشهيد سيد قطب

العبودية المطلقة لله وحده هي الشطر الأول لركن الإسلام الأول، فهي المدلول المطابق لشهادة أن لا اله إلا الله، والتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشطر الثاني لهذا الركن، فهو المدلول المطابق لشهادة أن محمداً رسول الله -كما جاء في هذا الفصل: لا اله إلا الله منهج حياة.. والعبودية المطلقة لله وحده تتمثل في اتخاذ الله وحده إلهاً.. عقيدة وعبادة وشريعة.. فلا يعتقد المسلم أن الألوهية تكون لأحد غير الله- سبحانه- ولا يعتقد أن العبادة تكون لغيره من خلقه، ولا يعتقد أن الحاكمية تكون لأحد من عباده.. كما جاء في ذلك الفصل أيضاً. ولقد أوضحنا هناك مدلول العبودية والاعتقاد والشعائر والحاكمية، وفي هذا الفصل نوضح مدلول الحاكمية وعلاقته بالثقافة. إن مدلول الحاكمية في التصور الإسلامي لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده. والتحاكم إليها وحدها . والحكم بها دون سواها .. أن مدلول الشريعة في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية، ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه. إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول الشريعة والتصور الإسلامي! إن شريعة الله تعني ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية.. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضاً. يتمثل في الاعتقاد والتصور -بكل مقومات هذا التصور- تصور حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وغيبه وشهوده، وحقيقة الحياة، غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان، والارتباطات بين هذه الحقائق كلها، وتعامل الإنسان معها. ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده. ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع . وهو ما يطلق عليه اسم الشريعة غالباً بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي . ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك، في القيم والموازين التي تسود المجتمع، ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية. ثم.. يتمثل في المعرفة بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة. وفي هذا كله لابد من التلقي عن الله، كالتلقي في الأحكام الشرعية- بمدلولها الضيق المتدأول- سواء بسواء.. والأمر في الحاكمية -في مدلولها المختص بالحكم والقانون-قد يكون الان مفهوماً بعد الذي سقناه بشأنه من تقريرات. والأمر في قواعد الأخلاق والسلوك، وفي القيم والموازين التي تسود المجتمع، قد يكون مفهوماً كذلك إلى حد ما! إذ إن القيم والموازين وقواعد الأخلاق والسلوك التي تسود في مجتمع ما ترجع مباشرة إلى التصور الاعتقادي السائد في هذا المجتمع، وتتلقى من ذات المصدر الذي تتلقى منه حقائق العقيدة التي يتكيف بها ذلك التصور. أما الأمر الذي قد يكون غريباً- حتى على قراء مثل هذه البحوث الإسلامية!- فهو الرجوع في شأن النشاط الفكري والفني إلى التصور الإسلامي والى مصدره الرباني. وفي النشاط الفني صدر كتاب كامل يتضمن بيان هذه القضية باعتبار ان النشاط الفني كله، وهو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته، وعن صور الوجود والحياة في نفس إنسانية.. وهذه كلها يحكمها -بل ينشئها- في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة! وبتصورها خاصة لحقيقة هذا الإنسان، ومركزه في الكون، وغاية وجوده، ووظيفته، وقيم حياته..وكلها متضمنة في التصور الاسلامي، الذي ليس هو مجرد تصور فكري. إنما هو تصور اعتقادي حي موح مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني. فأما قضية النشاط الفكري، وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني، تحقيقاً للعبودية الكاملة لله وحده، فهذه هي القضية التي تقتضي منا بياناً كاملاً لأنها قد تكون بالقياس إلى قرَاء هذا البيان -حتى المسلمين منهم الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع لله وحده- غريبة أو غير مطروقة! *** إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو التصور العام للوجود، أو يختص بالعبادة، أو يختص بالخلق والسلوك، والقيم الموازين، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني.. إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه، ومزأولته لعقيدته في واقع الحياة. ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة، كالكيمياء، والطبيعة، والأحياء، والفلك، والطب، والصناعة، والزراعة، وطرق الإدارة - من الناحية الفنية الإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية، وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني- إلى آخر ما يشبه هذا النشاط.. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم.. وان كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم، ان يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها، باعتبارها فروض كفاية، يجب أن يتخصص فيها أفراد منه. وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات، ولم يوفر لها الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج.. ولكن الى ان يتحقق هذا فان للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم، وان ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم، وان يشغل فيها المسلم وغير المسلم.. لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتم اعلم بأمور دنياكم.. وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن الحياة والكون ، وغاية وجوده، وحقيقة وظيفته، ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله، بخالق الوجود كله، ولا تتعلق بالمبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفراداً وجماعات، ولا تتعلق بالأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود مجتمعه وتؤلف ملامح هذا المجتمع.. ومن ثم فلا خطر فيها من زيغ عقيدته، أو ارتداده إلى الجاهلية! فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً أو مجتمعات، وهو التعلق بالنظرة إلى نفس الإنسان والى حركة تاريخه وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون، ونشأة الحياة، ونشأة هذا الإنسان ذاته- من ناحية ما وراء الطبيعة - (وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وطب.. الخ) فالشان فيه، شان الشرائع القانونية والمبادئ والأصول التي تنظم حياته ونشاطه، مرتبط بالعقيدة ارتباطاً مباشراً، فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم، يثق في دينه وتقواه، ويعلم عنه انه يتلقى في هذا كله عن الله.. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بعقيدته، وان يعلم أن هذا مقتضى عبوديته لله وحده، أو مقتضى شهادته: أن لا إله إلا الله، وان محمداً رسول الله. انه قد يَطَّلِع على كل آثار النشاط الجاهلي. ولكن لا لِيًكِّون منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها، إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية! وليعرف كيف يصحح ويقوَم هذه الانحرافات البشرية، بردها إلى أصولها الصحيحة في مقومات التصور الإسلامي، وحقائق العقيدة الإسلامية. إن اتجاهات الفلسفة بجملتها، واتجاهات تفسير التاريخ الإنساني بجملتها، واتجاهات علم النفس بجملتها -عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها- ومباحث الأخلاق بجملتها، واتجاهات التفسيرات والمذاهب الاجتماعية بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها -.. إن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي- قديماً وحديثاً، متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات اعتقادية جاهلية، وقائمة على هذه التصورات، ومعظمها -ان لم يكن كلها- يتضمن في أصوله المنهجية عداءً ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي على وجه خاص! والأمر في هذه الألوان من النشاط الفكري -والعلمي!- ليس كالأمر في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك والأحياء والطب، وما إليها - ما دامت هذه في حدود التجربة الواقعية وتسجيل النتائج الواقعية، دون أن تجاوز هذه الحدود إلى التفسير الفلسفي في صورة من صوره، وذلك كتجاوز الداروينية مثلاً لمجال إثبات المشاهدات وترتيبها في علم الأحياء، إلى مجال القول - بغير دليل وبغير حاجة للقول كذلك إلا الرغبة والهوى- انه لا ضرورة لافتراض وجود قوة خارجة عن العالم الطبيعي لتفسير نشأة الحياة وتطورها. إن لدى المسلم الكفاية من بيان ربه الصادق عن تلك الشؤون، وفي المستوى الذي تبدو فيه محأولات البشر في هذه المجالات هزيلة ومضحكة.. فضلاً عن أن الأمر يتعلق تعلقاً مباشراً بالعقيدة، وبالعبودية الكاملة لله وحده. إن حكاية أن الثقافة تراث إنساني لا وطن له ولا جنس ولا دين.. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية الميتافيزيقية لنتائج هذه العلوم، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً. ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور- لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله، وهو مسترخ مخدر، يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني، وفي أوله نشاطهم الربوي، الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها، تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود! ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية- نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي، والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة.. قاعدة إقامة الفكر البشري إلهاً لا يرجع إلى الله في ميزانه. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري الواقعي الإنساني، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً. ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة، لم ينشأ في أوروبا، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق، مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته، إلى الكون وطبيعته الواقعية، ومدخراته وأقواته.. ثم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج، واستمرت تنميه وترقيه، بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي بسبب بعد هذا العالم تدريجياً عن الإسلام، بفعل عوامل بعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني… ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الاسلامية، وشردت به نهائياً بعيداً عن الله، في أثناء شرودها عن الكنيسة، التي كانت تستطيل على الناس -بغياً وعدواً باسم الله ! وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته -شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع- شيئاً آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلاً للتصور الإسلامي.. ووجب على المسلم أن يرجع إلى مقومات تصوره وحدها، وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه، وإلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي، يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه. إن حكاية فصل العلم عن صاحب العلم لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني، والأوضاع، والقيم، والأخلاق، والعادات، وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه من هذه النواحي. إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم عن غير المسلم، أو عن غير التقي من المسلمين، في علم الكيمياء البحتة، أو الطبيعة، أو الفلك، أو الطب، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الأعمال الإدارية والكتابية.. وأمثالها. وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله، كما هو واقع من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم، الناشئ من بعدهم عن دينهم ومنهجهم وعن التصور الإسلامي لمقتضيات الخلافة في الأرض -بإذن الله- وما يلزم لهذه الخلافة من هذه العلوم والخبرات والمهارات المختلفة.. ولكنه لا يتسامح في أن يتلقى أصول عقيدته، ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وحديثه وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه، ولا مذهب مجتمعه، ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موجبات فنه وأدبه وتعبيره… الخ، من مصادر غير إسلامية، ولا أن يتلقى عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله. إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية.. ما هو من تخصصه وما هو من هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره. فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم -وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك- وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها وعلى قزامتها… وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وأدائها كذلك!!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي!!! ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديه.. إن الأمر أكبر من أن يفتى فيه بالرأي.. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه، إنما هو قول الله-سبحانه- وقول نبيه صلى الله عليه وسلم.. نحكمه في هذا الشان، ونرجع فيه إلى الله والرسول ، كما يرجع الذين آمنوا إلى الله والرسول فيما يختلفون فيه. يقول الله-سبحانه- عن الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين بصفة عامة: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير}… [البقرة: 109] {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل: إن هدى الله هو الهدى. ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا نصير}… [ البقرة: 120] { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}… [آل عمران: 100] ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر -رضي الله عنهم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وانه والله لو كان موسى حياً ما حل له أن يتبعني وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصارى في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه، يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، أو التاريخ الاسلامي، أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم، أو في سياسته أو في اقتصاده، أو يقصدون إلى خير، أو إلى هدى، أو إلى نور… والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس -بعد تقرير الله سبحانه- إنما هم الغافلون! كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: {قل: إن هدى الله هو الهدى} .. المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون، فليس وراء هدى الله إلا الضلال، وليس في غيره هدى، كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص: قل: إن هدى الله هو الهدى… ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص، ولا إلى تأويله كذلك! كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا، وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظناً، والمسلم منهي عن اتباع الظن، وانه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فهو لا يعلم علماً صحيحاً. { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى }. [ النجم: 29-30] { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون }.. [ الروم:7] والذي يغفل عن ذكر الله، ولا يريد إلا الحياة الدنيا -وهو شأن جميع العلماء! اليوم- لا يعلم إلا هذا الظاهر، وليس هذا هو العلم الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه، إنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت، ولا يتلقى منه تفسيراً ولا تأويلاً عاماً للحياة، أو النفس، أو متعلقاتها التصويرية.. كما انه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية وتثني عليه، كقوله تعلى:هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليشهدوا بها في غير مواضعها؟ فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل : { أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب }.. [ الزمر: 9] فهذا القانت آناء الليل ، ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.. هو الذي يعلم.. وهذا هو العلم.. الذي تشير إليه الآية ، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه.. لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله! إن العلم ليس مقصوراً على علم العقيدة والفرائض الدينية والشرائع.. فالعلم يشتمل على كل شيء، ويتعلق بالقوانين الطبيعية.. وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض والشرائع.. لكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية ليس هو العلم الذي يعنيه القرآن ويثني على أهله.. إن هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك، وعلم الأحياء، وعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وعلم طبقات الأرض..وسائر العلوم المتعلقة بالنواميس الكونية، والقوانين الحيوية. إنها كلها تؤدي إلى الله، حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله.. كما اتجه المنهج الأوروبي في النهضة العلمية-مع الأسف- بسبب تلك الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوروبي خاصة، بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة! ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوروبي كلها، وفي طبيعة التفكير الأوروبي، وترك تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة -لا لأصل التصور الكنيسي وحده ولا للكنيسة وحدها- في كل ما أنتجه الفكر الأوروبي، في كل حقل من حقول المعرفة، سواء كانت فلسفة ميتافيزيقية، أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها -في الظاهر- بالموضوع الديني! وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتاج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة، فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداءً للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يعتمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم في كل مقوماته. ومن ثم يكون من الغفلة المزرية الاعتماد على مناهج الفكر الغربي، وعلى نتاجه كذلك، في الدراسات الإسلامية.. ومن ثم تجب الحيطة كذلك في أثناء دراسة العلوم البحتة -التي لابد لنا في موقفنا الحاضر من تلقيها من مصادرها الغربية- من أية ظلال فلسفية تتعلق بها، لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة، وللتصور الإسلامي بصفة خاصة. وأي قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي…

الخميس، 3 يناير 2013

خطبة الشيخ محمد العريفي عن فضائل مصر

إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , وصفيه وخليله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه أرسله ربه رحمة للعالمين , وحجة على العباد أجمعين, فهدى الله تعالى به من الضلاله ,وبصر به من الجهاله , وكثر به بعد القله , واغنى به بعد العيله, ولم به بعد الشتات , وامن به بعد الخوف , فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين واصحابه الغر الميامين ما اتصلت عين بنظر ,ووعت اذن بخبر وسلم تسليما كثرا .. اما بعد : ايها الإخوة المسلمون :انها اليوم شهادة في بلد الأنبياء , انها شهادة في مسكن العلماء انها رسالة إلى بلد العلم ووالجهاد , إنني اتحدث اليوم عن أم الدنيا , دعوني اليوم اتحدث عن مصر.. من شاهد الأرض واقطارها والناس انواع واجناسا ولا رأى مصر ولا اهلها فما رأى الدنيا ولا الناس ,هي أم البلاد وهي أم المجاهدين والعباد قهرة قاهرتها الامم ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم , هي بلاد كريمة التربة , مؤنسة لذوي الغرية فكم لمصر واهلها من فضائل , ومزايا , وكم لها من تاريخ في الاسلام وخفايا منذ أن وطئتها اقدام الانبياء الطاهرين ومشت عليها اقدام المرسلين المكرمين والصحابة المجاهدين . إذا ذكرت المصريين ذكرت الكعبة والبيت الحرام فإن عمر رضي الله تعالى عنه , ارسل إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة , فصنعت الكسوة من عهد عمر رضي الله عنه وضلت كسوة الكعبة تصنع هناك في مصر سنة تلو سنة حتى مرت اكثر من الف سنه وكسوة الكعبة ترسل من مصر إلى مكة ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المئة سنة . إذا ذكرت المصريين ذكرت الحجاج والمعتمرين فإن البعثة الطبية المصرية كانت في الحج لسنوات طويلة هي ابرز ماينفع الحجاج في علاجهم يأتون من اقطار الدنيا لأجل أن يلتقوا بهذه البعثة المصرية .. إذا ذكرت المصريين , إذا ذكرت الدفاع عن فلسطين وذكرت الجهاد والمجاهدين فصلاح الدين اقام بمصر ,وكثير من قواده منها وابرز المعارك مع اليهود قادها مصريون .. إذا ذكرت المصريين ذكرت امنا هاجر , ومارية القبطيه ذكرت اخوال رسولنا ,واصهار نبينا لا لن اشهد اليوم لمصر فما مثلي يشهد لمثلها بل سأخطب عن كوكبة العصر , وكتيبة النصر وديوان القصر , سأتكلم عن ام الحضارة وام المهارة ومنطلق الجدارة ..نعم سأخطب عن ارض العزة وعن بلاد القطن , والبز ايها المسلمون .. ذكر الله تعالى مصر في القرآن وبين الله جل وعلا اسمها صريحا في اربعة مواضع في كتابه , تشريف لها وتكريما فقال الله جل وعلا (( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ )) [يوسف:21] . وقال سبحانه (( ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ))[ يوسف:99] وقال جل وعلا (( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ))[يونس:87] . وقال تعالى قاصا عن فرعون لما قال : (( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ )) [الزخرف:51] . ليس هذا فقط بل اشار الله تعالى إلى مصر ولم يصرح باسمها في 30 موضعا في القرآن كقوله جل وعلا (( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ )) [القصص:15] يعني:مصر . وقوله جل وعلا (( قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ))[الاعراف:109] إلى آخر هذاالمواضع . إن مصر ايها المسلمون هي الارض الطيبة التي قال الله تعالى عنها لما طهرها الله تعالى من فرعون وقومه مدح الله تعالى مصر فقال(( كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿25﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿26﴾))[الدخان] إن مصر فيها خزائن الأرض بشهادة ربنا جل وعلا لما قال ليوسف عليه السلام (( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55))) [يوسف] ولم يذكر الله تعالى قصة نهر في القرآن إلا نهر النيل قال جل وعلا : (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ))[القصص:7] يعني في نيل مصر . قال الكندي لا يعلم بلد في اقطار الأرض اثناء الله تعالى عليه في القرآن بمثل هذا الثناء ولا وصفه الله بمثل هذا الوصف ولا شهد له بالكرم غير مصر .. نعم إنني اتكلم عن مصر وصى النبي صلى الله عيله وسلم الأمة كلها بمصر وبأهلها فقال بأبي هو وامي [ إذا فتتحتوا مصر فاصتوصوا بمصر خيرا فإن لهم ذمة ورحما ] , وفي لفظ قال :[ فإن لهم ذمة وصهرا ] رواه مسلم هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام وهي ام اسماعيل جد نبينا عليه الصلاة والسلام هي مصرية من القبط , ومارية سرية رسول الله عليه الصلاة والسلام ,وام ولده ابراهيم هي مصريه ايضا , ولذلك قال عبدالله ابن عمر ابن العاص رضي الله تعالى عنهما قال قبط مصر هم اخوال قريش مرتين , وقال النبي عليه الصلاة والسلام [ إنكم ستفتحون مصرا احسنوا الى اهلها فإن لهم ذمة ورحما ] رواه مسلم فهي وصية للأمة كلها لكل من تعامل مع المصريين أن يحسن اليهم وان يكرمهم وان يعرف قدرهم وان يقف معهم عند حاجتهم وأن ينصرهم عندما يؤذون , الهدية اليهم من افضل الهدايا , واذيتهم من اعظم الرزايا ,ولم يكتفي نبينا صلى الله عليه وسلم بمدح مصر واهلها بل امر بالاحسان حتى إلى اقباطها فقال عليه الصلاة والسلام [ الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون عليكم عدة وعون في سبيل الله ] رواه الطبراني وصححه الألباني . نعم وكم يسرنا اليوم والله من تآلف بين مسلمي مصر ,وبين اقباطها ,ونسال الله جل وعلا أن يجمعهم جميعا على العقيدة الصحيحه التي بعث بها الله تعالى بها عيسى وبعث بها محمد ,وبعث بها جميع الأنبياء عليهم السلام ,وهي أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ايها المصريون الإسلام فيكم وجد أعياده.. وكنتم يوم الفتح أجناده.. وكنتم عام الرمادة مداده.. واحرقتم العدوان الثلاثي وأسياده.. وحطمتم خط بارليف وعتاده.. وكنتم يوم العبور أسياده وقواده.. يا أهل مصر.. يا أهلي ويا مشايخي ويا من أخذت عنهم الأسانيد في قراءة القرآن.. يا أصحابي إن في أرضكم الوادي المقدس طوى وفيها الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وفيها الجبل الذي تجلى الله سبحانه إليه فانهد الجبل دكا,وهي مبوء الصدق الذي قال الله تعالى عنه(( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) يونس 91 وفي ارضكم يجري نهر النيل المبارك الذي ينبع من أصله من الجنة : [ قال عليه الصلاة والسلام , النيل وسيحان وجيحان والفرات من انهار الجنة] رواه مسلم . وفي ارض مصر الربوة التي أوى إليها عيسى عليه السلام وأمه قال جل وعلا (( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)) [المؤمنون : 50] وعلى أرض مصر ضرب موسى عليه السلام بعصاه فانفلق الحجر له ماءا وانشق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم نعم إنها مصر.. إذا أردت القرآن وتجويده فالتفت إلى مصر.. إذا اردت اللغة والفصاحة فإنك تنتهي إلى مصر.. إذا أردت الأخلاق الحسنة وحلاوة اللسان وحلاوة التلاوة والقرآن فالتفت لزاما إلى مصر .. إننا لا نتحدث عن بلد عادي ,إننا نتحدث عن بلد عظيم القدر جليل الجناب اشار الله تعالى لكبر مصر , واشار لعظم مساحتها فقال جل وعلا (( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿53﴾ )) [الشعراء] . وهذا يدل على كثرة مدنها ولعظم قدره مصر .. ومنذ القديم افتخر الهالك فرعون انه يملكها دون غيرها فقال كما حكا الله جل وعلا عنه (( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ )) [الزخرف:51]. قال عمر بن العاص رحمه الله ورضي عنه قال :[ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة ] يعني أن كل بلاد الاسلام في كفة , وإن الذي يلي على مصر يكون اخذ الكفة الاخرى . وقال سعيد ابن هلال :[ إن مصر ام البلاد وغوث العباد , إن مصر مصورة في كتب الاوائل وقد مدت اليها سائر المدن يدها تستطعمها وذلك لأن خيراتها كانت تفيض على تلك البلدان ] قال الجاحظ : إن اهل مصر يستغنون بما فيها من خيرات عن كل بلد حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ماضرهم وفي مصر رباط الاسكندريةالذي رابط فيه العلماء , والزهاد والعباد ,والمجاهدون والأبطال والشجعان . قال ابو الزناد صاحب ابو هريرة رضي الله تعالى عنه قال :[ خير سواحلكم رباطا الاسكندرية ] . وقال سفيان ابن عيينه يوما لأحمد ابن صالح قال له : [ يامصري اين تسكن قال الفسطاط قال فأتي الاسكندرية فإنها كنانة الله التي يجعل فيها خير سهامه ]. وعند المصريين جامع عمر ابن العاص صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو اول جامع بني في قارة افريقيا وقد ضبط قبلته جماعة من الصحابة قدروا بثمانين صحابي اجتمعوا عنده عند بنائه وقدروا قبلته يوجهوه اليها , وعند المصريين جامع الأزهر الذي له الفضل لمشهور , العلم المنثور والتقدم الكاسر , والارتفاع القاهر , العلماء فيه متكاثرون , والعباد فيه قائمون والزوار اليه متوافدون . مصر قادة الأمة الاسلامية اكثر من 265سنة كانت الخلافة في مصر من بعد انقطاع الخلافة من بغداد في عام 656 للهجره إلى انتقال الخلافة إلى العثمانين بتركيا في عام 924بينهما اكثر من 265سنة كانت الخلافة في مصر وهي التي تقود بلاد الاسلام. اما أهل مصر فيكفيهم شرف وفخر أن الله تعالى اختار منهم الأنبياء وجعل الله تعالى الانبياء يسكنون بين ظهرانيهم ,فهذا الخليل ابراهيم شيخ الموحدين ,وافضل المرسلين ,وجد خاتم النبيين اتى مصر مع زوجه سارة وتزوج هاجر المصرية ,وهذا يعقوب عليه السلام دخلها مع ابنائه الانبياء فيها توفوا ودفنوا فيها , وهذا يوسف عليه السلام سكن مصر وحكم فيها وتوفي ودفن فيها , وهذان موسى وهارون -عليهما السلام -ولداء في مصر وعاشا فيها ,وهذا يوشع ابن نون ولد في مصر وعاش فيها , وهذا الخضر , وهذا ايوب واشعيا وارميا -عليهم افضل الصلاة والسلام -كلهم دخل مصرا ومنهم من مات فيها . وقد ضرب الله تعالى ابطال مصر امثلة في كتابه فمن المصريين مؤمن آل فرعون البطل الثابت على الحق الذي قال الله جل وعلا عنه (( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) غافر 28 - والرجل المؤمن الذي حذر موسى عليه السلام (( وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ))[القصص:20] ومن المصريين السحرة الذين ذكر الله تعالى قصتهم لما امنوا وصدقوا وكانوا في اول النهار سحرة فجرة ,وصاروا في اخر النهار شهداء برره .. انها بلاد الابطال قَارَنْتُ مِصْــــرَ بِغَيْـــرِهَا , فَتَدَلَّلَــتْ ..وَعَجِـــزْتُ أَنْ أَحْظَىَ لَهَـــا بِمَثِيْــــلِ هَــــذِيْ الْحَضَـــــارَةُ مُعْجِــــزَاتٌ فيِ الـــــــوَرَىَ ..عَقـــــِمَ الـــزَّمَانُ بِمِثْلِــــهَا كَبَـــــدِيْلِ رَفَـــــعَ الإِلَــــهُ مَقَامَهــَا , وَأَجَــــــلَّهُ ..فِيْ الذِّكْـــــرِ , وَالتَّـــوْرَاةِ , وَالإِنْجِيْــــلِ جَـــاؤا بِيُوْسُــــفَ مِنْ غَيَـــــاهِبِ ظُلْمــَةٍ ..أَرْضَ العَــــزِيْزِ , فَكَــــانَ خَيْـــرَ نَزِيْـــلِ والنِّيْلُ يَتْبَــــعُ وَحْــــيَ مُنْشِئِ قَطْـــــرِهِ .. كَالطَّيْـــــرِ حِيْنَ الوَحْــــيِ , عَـــــامَ الفِيْــــلِ فيِ طُــــــوْرِ سَــــــيْنَاءٍ تَجَــــلَّىَ رَبُّنَا ..فـــوْقَ الكَلِيْـــــمِ , بِــــأَوَّلِ التَّنْــــــزِيْلِ وَكَـــــذَا البَـــتُوْلُ , أَتَتْ لِمِصْـــــرَ بِإِبْنِهَا.. تَبْغِـــــيْ الأَمَــــانَ , وَتَحْتَمــــِيْ بِمَقِيْــــــلِ يَكْفِيْــــكِ يَا أَرْضَ الكِنَــــانـــةِ هَاجَـــــرٌ ..مِيْـــلِىْ بِتِيْـــــهٍ , يَا كِنَــــــانَةُ مِيْلِــــي ! يَا ( أُمَّ إِسْمَاعِيْـــــلَ) : وَصْـــــلُكِ وَاجِـــــبٌ.. مَنْ عَــــقَّ مِصْــــرَ فَقَـــــدْ أَتَىَ بِجَلِيْــــلِ هَــــذِيْ عِنَـــــايَةُ قَــــادِرٍ خُصَّــــتْ بِهَا ..مِصْـــرٌ , لِتَبْقَىَ مَوْضِــــعَ التَّفْضِيْلِ بُوْرِكْتِ مِصْــرُ , فَــــلاَ أَرَانِيَ بَالِغـــا.. حَــــقَّ الْمَدِيْحِ , وَإِنْ جَهَــــدْتُ سَبِيْـــلِي ! يَا مِصْــرُ : يَرْعَــــــاكِ الإِلَــهُ كَمَا رَعَـىَ ..تَنْزِيْلـــــَهُ مِنْ عَــــــابِـثٍ وَدَخِيْـــــلِ !! اما نساء مصر فيكفي المصريات فخرا , وعزا ,وشرفا أن سيد الانبياء محمد -صل الله عليه وسلم -كانت جدته هاجر مصرية ,وأم ولده مارية مصرية , ويكفي المصريات فخرا أن ماء زمزم تفجر اكراما لإمرأة مصرية ولإبنها, ويكفي المصريات فخرا أن هاجر المصرية عندما سعت بين الصفا والمروة خلد الله تعالى فعلها، وامر الأنبياء وسائر الاولياء والحجاج والمعتمرين بأن يسعوا كسعيها.. ويكفي المصريات فخرا أن ام موسى عليه السلام مصرية، وأن آسيا امرأة فرعون مصرية،التي قال الله عنها (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )) [التحريم:11] . ويكفي المصريات فخر أن المرأة الصالحة التي كانت ماشطة لبنت فرعون كانت مصرية, وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام [ لما كان الليلة التي اسري بي فيها اتت عليه رائحة طيبة قلت ياجبريل ماهذه الرائحة , قال : هذه رائحة ماشطة بنت فرعون واولادها ] رواه الحاكم وصححه أيها الناس .. . إن أهل مصر هم من الين الناس تعاملا واحسنهم اخلاقا وادبا، قال تاج الدين الفزاري [ من اقام في مصر سنة واحدة وجد في اخلاقه رقة وحسنا ] وقال ابن ظهرة عن اهل مصر[ حلاوة لسانهم وكثرة مودتهم للناس ومحبتهم للغرباء ولين كلامهم وحسن فهمهم للشريعة , مع حسن اصواتهم وطيب نغماتهم وشجاها ,وطول انفاسهم واعلاها , فمؤذنوهم اليهم الغاية في الطيب ووعاظهم اليهم المنتهى في الإجادة والتطريب , ونساءها ارق نساء الدنيا طبعا ,واحلاهن صورة ومنطقا , واحسنهن شمائل ,واجملهن ذاتا , ومازلت اسمع قديما عن الشافعي انه قال :من لم يتزوج بمصرية لم يكمل احصانه – أيها المسملمون .. ] ولقد سكن مصر بعد فتحها جماعة من صحابة سيدي -رسول الله صل الله عليه وسلم- حتى لما احصي عدد الصحابة الذين دخلوا مصر , أو سكنوا فيها , أو زاروها أو حكموها أو دفنوا في ترابها فتعدوا اكثر من 350صحابي كلهم قد اتوا إلى مصر منهم من جاءها رسولا اليها أو حاكما لها , أو مجاهدا فيها أو معلم لأهلها منهم عمر ابن العاص , عبد الله ابن ابي السرح ,عبدالله ابن عمر , وكلهم قد ولي مصر ,منهم جابر بن عبدالله بن حرام ,ومنهم الزبير بن العوام وعبد الله ابن الزبير , منهم سعد ابن ابي وقاص ومنهم عبادة بن الصامت وعبدالله بن عباس وعمار بن ياسر، وابو ايوب الانصاري، وابو ذر الغفاري، وابو الدردراء، وابو هريرة، وعبد الله ابن الحرث اببن جزء الزبيدي وهو آخر صحابي مات بمصر ,350 صحابيا تخيرت ابرزهم لكن كلهم قد سكن مصر أو زارها . في مصر ولد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله تعالى أيها المسلمون ... إذا تكلمنا عن مصر فإننا نتكلم عن بلاد العلماء الذين وصل اثرهم الى كل الدنيا، منهم صحابة كرام وتابعون اعلام، منهم الليث بن سعد وهو امام المصريين ،الذي قال فيه الشافعي : [ الليث ابن سعد اعلم من مالك ] ومنهم القارئ ورش، إذا سمعت من يقول على قراءة ورش فاعلم انه مصري اليوم اكثر أهل افريقيا وأهل المغرب يقرؤون بقراءة هذا المصري ومنهم الامام المحدث عبد الله ابن لهيعه ,ومنهم الشافعي الامام وله ائمة كثر كلهم من طلابه وكلهم من المصريين , ومنهم سعيد ابن كثير ابن عفير وكان اماما عالما ,قال عنه يحيى ابن معين امام الجرح والتعديل لما سؤل عن مصر قال : [ رأيت في مصر ثلاث عجائب النيل , والأهرام , وسعيد ابن كثير ابن عفير] وكان عالما اماما . و منهم عبدالملك ابن هشام صاحب السيرة النبوية المشهورة ومنهم الإمام الطحاوي الذي الف العقيدة الطحاوية وهي تدرس اليوم في كل الدنيا وتدرسها الجامعات هنا في المملكة العربية السعودية تدرسها لطلابها وتدرس في انحاء الدنيا الفها الإمام الطحاوي المصري ومنهم الإمام بن النحاس والقاضي عبدالوهاب المالكي، وشيخ الحنابلة الحافظ عبد الغني المقدسي، فإذا ذكرت الحنابلة وذكرت الفقه الحنبلي رجعت لزاما إلى عبد الغني المقدسي وكان قد خرج من الشام وسكن في مصر ومنهم الإمام البطل العز بن عبدالسلام ومنهم ابن خلكان صاحب وفيات الاعيان , ومنهم والقارئ العظيم الذي تحفظ منظومته طلاب وطالبات كثر في انحاء الدنيا الإمام الشاطبي، ومن الذي لا يعرف الشاطبي وهو الذي الف منظومة في الف بيت في تلاوة القرآن وقراءته ثم اخذ المنظومة والفها وطاف الف اسبوع حول الكعبة ..والاسبوع هو سبعة اشواط طافها ثم جعل يدعوا الله تعالى وهو يطوف أن يبارك في هذه المنظومة , وقد انتشرت انتشارا عظيما مما قال فيها : يقول وبعد وَبَعْدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ فَجَاهِدْ بِهِ حِبْلَ الْعِدَا مُتَحَبِّلاَ وَأَخْلِقْ بهِ إذْ لَيْسَ يَخْلُقُ جِدَّةً جَدِيداً مُوَاليهِ عَلَى الْجِدِّ مُقْبِلاَ وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ وَأَغْنى غَنَاءً وَاهِباً مُتَفَضِّلاَ وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً وَحَيْثُ الْفَتى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزّ يجتُلَى فَيَا أَيُّهَا الْقَارِى بِهِ مُتَمَسِّكاً مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلا هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما مَلاَبِسُ أَنْوَأرٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ فَما ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ أُولئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفَوَةُ المَلاَ أُولُو الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى حُلاَهُمُ بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِساً وَبِعْ نَفْس الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلاَ جَزَى اللهُ بِالْخَيْرَاتِ عَنَّا أَئِمَّةً لَنَا نَقَلُوا القُرْآنَ عَذْباً وَسَلْسَلاَ ومن المصريين مؤلف كتاب [الترغيب والترهيب] عبدالعظيم المنذري ,ومن المصريين الإمام القرافي وهو من اذكياء العالم ,ومن ائمة الدنيا ومن اعيان المذهب المالكي ومن المصريبن دقيق العيد الذي لم ترى الدنيا مثله ابدا ,ومنهم خليل المالكي إذا سمعت [بمختصر خليل] الذي يعول عليه المالكية اليوم في دروسهم وجامعاتهم فاعلم انه مصري ,ومنهم ابن هشام النحوي ومنهم الإمام الهيثمي صاحب كتاب [مجمع الزوائد ]ومنهم ابن حجر العسقلاني الذي الف [فتح الباري في شرح صحيح البخاري] , ومنهم محمود العيني الذي الف[ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري] واليه ينسب اليوم قصر العدل ومنهم المقريزي والامام صاحب كتاب [ تفسير الجلالين] الإمام جلال الدين المحلي الذي اتمه بعد ذلك االامام السيوطي وكلاهما مصري ومنهمالحافظ السيوطي ومنهم شيخ الاسلام زكريا الانصاريالذي وصل عمره مئة سنة الذي لم يترك صلاة الليل إلى أن مات . ومنهم الشيخ أحمد الدردير وكان عبدا علما صالحا . جلس في الأزهر يوما يعلم طلابه فلما دخل احد الولاة وكان يريد أن يستميل المشايخ لبعض الفتاوى التي يريدها لإلزام بعض الناس بامور فقام الطلاب خائفين من كثرة الجند ومبجلين لهذا الوالي فأخذ مصحف ووضعه في حجره ,وجعل يتلوا القرآن وقد مد رجليه , فمر به الوالي فقال : من هذا ؟ , قالوا : هذا الشيخ احمد الدردير , قال : فلماذا لم يقم لما رآني ؟ , فحاولو أن يعتذروا له , فحنق عليه هذا الوالي ,ثم ذهب الوالي إلى قصره واخذ صرة ارسلها مع أحد العبيد , قال : اعطها ذلك الشيخ الذي كان مادا لرجليه لما مررنا به , فلما اقبل اليه ذلك العبد وناوله الصرة علم الشيخ أن ذلك الرجل ارآد أن يذله بقبول المال فنظر إلى هذا الرسول وقال له : ارجع إلى من ارسلك , وقل له إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه ! اما ابطال مصر ومجاهدوها فالكلام عنهم يطول كثير من القادة مع صلاح الدين الايوبي كانوا من المصريين منهم القائد: حسام الدين , وكان قائد للاسطول البحري المصري , كان شوكة في حلق الأفرنجة . قال عنه الإمام ابن كثير : كان البحر في البحر فكم من شجاع اسر , وكم من مركب انكسر ,وكم من اسطول فرق شمله ,وقارب غرق اهله مع كثرة الصدقات , قال : ولما عمل ارناط الصليبي مراكب واسطول , وجعلها في البحر الأحمر ليغزوا مدينة -رسول الله صل الله عليه وسلم- انطلق اليه حسام الدين باسطوله المصري ودك اسطول الفرنجة حتى قتلهم عن آخرهم .ومن ابطال مصر الذين سكنوها صلاح الدين الأيوبي الذي فتح بيت المقدس أيها الناس .. بل ايتها الدنيا كلها لن ينسى التاريخ ابطال مصر الذين ردوا الحملة الصليبية التي قادها ملك فرنسا واستولى على دمياط فكمن له ابطال مصر واذاقوه سوء العذاب , وابادوا جيشة وكانوا عشرات الآلاف ثم اخذوا هذا القائد الفرنسي وحبسوه في دار تسمى دار ابن لقمان في المنصورة ووضعوا القيود في يديه ورجليه , ووكلوا به حارس يسمى صبيح ثم فدا نفسه بأموال كثيرة عظيمة فاطلق , ثم لما وصل الى بلده حدثته نفسه أن يعود مرة اخرى لغزوا مصر وجعل يجند الجند لذلك فأرسل اليه جمال الدين ابن مطروح قصيدة يقول فيها : قل للفرنسيس إذا جئته مقال صدق من قئول فصيح أتيت مصر تبتغى ملكها تحسب أن الزمر يا طبل ريح وكل أصحابك أودعتهم بحسن تدبيرك بطن الضريح وفقك الله لأمثالها لعــل عيسى منكم يستريــح آجرك الله على ما جرى من قتل عباد يسوع المسيح فساقك الحين إلى أدهم، ضاق به عن ناظريك الفسيح خمسون ألفا لا يُرى منهم إلا قتيل أو أسير جريح. وقل لهم إن أضمرو عودة، لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها، والقيد باق والطواشي صبيح. فلما وصلت القصيده اليهم ففزع واضطرب ,وعدل عن غزو مصر .. -ومن المصرين الأبطال سلطان المماليك قطز ,و هو الذي قاد معركة عين جالوت ,ومن المصريين الأبطال ضباط وجنود شاركوا في حروب فلسطين وغيرها من مواضع الجهاد في سبيل الله وإذا ذكرت مصر وتاريخها ذكرت العباد والزهاد , ذكرت حيوة ابن شريح , وذكرت ابن محمد ابن سهل وكان عابدا صالحا آمرا بالمعروف داعيا إلى العقيدة الصحيحة وكان يذم العُبيديين الشيعة الذين حكموا مصر فترة , فجاء به الخليفة العبيدي وقال له : سمعنا انك تقول لو أن معي عشرة اسهم لرميت الصليبيين بواحد ورميت العُبيديين بتسعه فهل هذا صحيح انك قلت ذلك : فقال : لم اقل هذا , قال : إذاً ماذا قلت ؟ قال : قلت لو معي عشرة اسهم لرميت العبيديين بتسعه ورميت العاشر فيهم ايضا فإنكم غيرتم المله , وتنقصتم القرآن ,وذممتم صحابة رسول الله , ووقعتم في عرضه , وغيرتم الدين وقتلتم أهل السنة قال فغضب علي فامر به وربط ثم دعا رجل يهودي فقال : قطع لحمه حتى يموت , فجعل يقطع لحمه قطعة قطعه وهو يتلو القرآن ,وذلك اليهودي يسلخ جلده سلخاً كما تسلخ الشاة ,وهو يتلو القرآن ,وذاك العبيدي ينظر اليه حتى رق له اليهودي وطعنه بالسكين في قلبه ليقتله حتى يريحه من كثرة العذاب .. امام من ائمة مصر وفي مصر ايها المسلمون من الأدباء ووالكتاب والشعراء اعداد لا يستهان بها ممن زاروها أو كانوا من اهلها , فإذا قراءة الشعر الرائق لجميل بثينه وهو من افصح الشعراء فاعلم انه مصري , وإذا قرأت الشعر الرائق لكثير عزة ,واعلم انه مصري وإذا قرأت للشاعر الشهير المتنبي احمد ابن الحسين فاعلم انه اقام بمصر 4سنوات .. انك تتكلم عن بلد عظيم لا يزال له إلى اليوم مايؤمل له قيادة للأمة ومن السير على منهاج اجدادك من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام المصريون لا تكاد تجد من القراء في العالم من قراء القرآن وممن معهم اجازات واسانيد إلى رسول الله صل الله عليه وسلم في حفظ القرآن ,إلا وجدت للمصريين عليه يدا اما اقرأهم مصري أو حفظ القرآن على مصري أو ضبط تجويده مصري أو كتب له هذا السند مصري , وما تكاد تجد إلى اليوم حتى المشايخ والعلماء في الارض كلها إلا تجد منهم من قرأ على مصري ,أو درسه في الجامعة مصري أو صل به إماما يوم من الأيام مصري ,ولا ينكر فضل هؤلاء العلماء احد مدرسوها واساتذتها لهم فضل كبير على العرب وعلى المسلمين بل على جميع العالم في مساجدهم وجامعاتهم ومدارسهم , ولمصر من العلماء في الطب وفي الذرة وفي الهندسة وفي الدعوة وفي الأدب وفي غير ذلك امر لا يدرك شئوة ابدا .. اسأل الله تعالى أن يحفظ جميع بلدان المسلمين عامة وأن يحفظ مصر خاصة واسأل الله تعالى أن يجمع شملهم , اللهم ولي عليهم خيارهم اللهم اجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين اللهم احفظهم بحفظك واكلئهم برعايتك , اللهم من ارادعم بسوء أو دبرلهم مكائد فرد كيده في نحره واجعل تدبيره تدمير عليه ياقوي ياعزيز نسأل الله تعالى لإخواننا في مصر وفي غيرها أن يجمع الله تعالى شملهم وأن يصب عليهم الخير صبا صبا ولايجعل عيشهم كدا كدا , اللهم اللهم نسألك لكل بلداننا ياحي ياقيوم إنا نسألك لأهلنا في سوريا وفي فلسطين وفي اليمن ,وفي كل ارض من ارضك ياذا الجلال والإكرام أن تولي عليهم خيارهم , وأن تصرف عنهم شرارهم وأن تجمع شملهم وتؤلف قلوبهم وان تصب عليهم الخير صبا صبا يارب العالمين ,اللهم إنا نسألك عيش السعداء ,وموت الشهداء ,والحشر من الاتقياء ومن مرافقة الانبياء ,ونعوذ بك ربنا من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الاعداء , اللهم انصر اخواننا المجاهدين في سوريا , اللهم ايدهم بتأييدك ونصرك ، وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وأهلك عدوهم .

السبت، 8 ديسمبر 2012

إقامة الدولة التي تحمي الدعوة

الهجرة لإقامة دولة تحمي دعوة بقلم: الشحات عطا من أئمة الأوقاف .  الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وبعد :
. 1 المصالح الخاصة والمكاسب المالية تقف في وجه دعوة الحق . إن الحق مهما كان واضحًا وميسرًا وإنسانيًّا وواقعيًّا فإنه بحاجة إلى قوة تحميه وتحمله وأُمّة تعيه وتمثّله وإن المتأمل في حقيقة الهجرة يدرك أنها كانت من أجل البحث عن قوةٍ تحمي دعوة الحق وقومٍ ينالون شرف تحمِّل المشروع الإسلامي بعد أن رفض أصحاب المصالح الخاصة من أمثال أبي لهب الذي قاد حملة إعلامية شرسة حتى لا تقوم للإسلام قائمة في مكة تؤثر على مصالحه المالية ومكاسبه الخاصة وفيه نزل قول الله " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ 1 مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ"(المسد:1،2). إن معاداة أبي لهب ورفاقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لجهلهم برسول الله ورسالته الإصلاحية، وإنما خوفًا على مصالح مالية ومكاسب خاصة "ماله وما كسب" تهددها طبيعة الرسالة الجديدة . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد في مكة ونشأ فيها نشأة دينية نال بها لقب الصادق الأمين وكان أمره- كشاب متدين- معلومًا لجميع أهل مكة، وما إن أخبر أهل مكة بأنه يحمل إليهم مشروعًا من رب العالمين لرحمة حياتهم والنهوض ببلدهم حتى قام يواجهه نفر ممن كانوا يعدون أنفسهم نخبة في مكة كانت تحظى بالسيطرة المالية والاجتماعية.. قام هؤلاء في وجه المشروع الإسلامي، رافضين أن يسيّر هذا الدين الجديد حياتهم وينظم شئونهم ويحررهم من عبودية البشر للبشر ومن سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان . انتفض أصحاب المصالح الخاصة ومن عاشوا لسنوات يستعبدون الناس ويسخرونهم لشهواتهم ويسرقون تعبهم وقوتهم.. انتفض أصحاب المصالح الخاصة يدافعون عن أوضاعهم ومكاسبهم وقادوا حملة إعلامية مضللة لتشويه صورة رسول الله حينًا وتشويه مشروعه أحيانًا . وتحرك كبيرهم أبو لهب بدافع حماية أمواله ومكاسبه حركة إعلامية تتبّع خلالها كل عمل أو مقابلة يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصرف الناس عن هذا الدين العظيم ويقلب الحقائق ويقول للناس عن الصادق الأمين إنه كاذب وساحر وبه مرض ومجنون ووو… ولما قاومت مكة المشروع الإسلامي ولم تكن أهلاً لتحمُّلِه، أخذ رسول الله يبحث عن أرض وقوم ينالون هذا الشرف العظيم، وبعد محاولات هدى الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى بلدة طيبة تستحق أن تنال هذا الشرف؛ فكانت المدينة المنورة وكان الأنصار الذين نالوا شرف تحمّل المشروع الإسلامي وإيواء إخوانهم المهاجرين . 2 - وجوب العمل الجماعي لبناء الدولة وحمايتها . وبدأت مرحلة جديدة في عمر الأمة الإسلامية بالهجرة تعيَّن في هذه المرحلة على كل مسلم أن يتحرك ليشارك في بناء الدولة الإسلامية الوليدة ويهاجر إليها ولم يعد يُسمح لمسلم أن يتخلف - بدون عذر - عن الهجرة لينال الجميع شرف المشاركة في بناء أول دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية وحمايتها والعمل على رفعتها ونهضتها "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 72 وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ 73 وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 74 وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الآيات من الأنفال ٧٢ -٧٥) لا بد من دراسة مع المجتمع؛ لأنها تؤكد وجوب العمل الجماعي من أجل بناء وحماية الدولة الجديدة وهذا في صلب حدث الهجرة، وهو المفهوم من قوله تعالى في كل الآيات المذكورة في السياق " بعضهم أولياء بعض " سواء فيما يخص المؤمنين أو الكافرين . واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم للدولة الجديدة اسمًا مدنيًّا يليق بمدنية الإسلام ورقيه وحضارته فغيرها من يثرب إلى المدينة المنورة . : لماذا يرتبط نزول أكبر سور القرآن الكريم بحدث الهجرة ؟ ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أول سورة مدنية وأكبر سورة في القرآن الكريم كله- البقرة- لتنظم شئون الدولة الإسلامية الوليدة وتحافظ على سلامة بنيانها وتقوي أركانها . ولقد نزل فيها من الأحكام الكثير كالجهاد والقصاص والزواج والطلاق والمتعة وأحكام الحيض والفرائض الخمس والصدقات والمعاملات كالتجارة والرهن والدين وتحريم الربا بالإضافة إلى تحويل القبلة والعقائد والأخلاق وتكليف الأمة بالرسالة بعد أن فشل في حملها بنو إسرايل ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) . إن الهجرة ليست مجرد حدث، وإنما مرحلة جديدة في عمر أمة الإسلام انتقلت فيها الأمة من الضعف والاستضعاف إلى القوة والتمكين وأصبح للإسلام دولة تحمي دعوته ورسالته؛ ومن هنا استحقت الأمة - بعد أن أقامت الدولة- أن تنال شرف نزول المفصَّل من القرآن الكريم ليفصل لها منهاج حياتها الذي إن اتبعت هداه فلا خوف عليها ولا حزن، هذا ما نص عليه الله عزوجل تعقيبًا على أول قصص سورة البقرة: "فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة: 38) وهكذا رد الله في أول قصة في سورة البقرة ما ذكره كفار مكة من افتراء في سورة القصص حين حاربوا الهدى الرباني بحجة الخوف على مصالحهم ومكاسبهم وأوضاعهم "وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 57 وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ 58 وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" (القصص: ٥٧-٥٩) فعلم الله المؤمنين والمؤمنات أن اتباع الهدى الرباني واحترام شريعة الله هو سر قوة الأمة وحمايتها من الخوف والحزن وأن التطاول على شرع الله والتنكر له والبطر على ما أنعم الله به هو الظلم المفضي لهلاك الأمم والشعوب "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ 58 وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" (القصص:58،59). 3 - أكبر سور القرآن لحماية الدولة الوليدة من عَمالة المنافقين وإفسادهم والتحذير منهم : وافتتحت السورة الكريمة بالحديث عن سكان الدولة الجديدة وصنفتهم إلى مؤمنين متقين في خمس آيات، وكافرين جاحدين في آيتين، ومنافقين متآمرين ومتخابرين مع شياطينهم ضد مصالح الدولة الجديدة في ثلاث عشرة آية متصلة، وأكدت سورة البقرة وفصلت في صفات المنافقين باعتبارهم الخطر الأكبر على الإسلام ودولته الوليدة، ثم تخللت السورة آيات وآيات تتحدث عن صور تآمر المنافقين وعلاقاتهم بسادتهم اليهود وحرصهم على الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، وذكرت السورة في مطلعها من صفاتهم التي تهدد الدعوة والدولة ما يلي : - ادعاء المنافقين الإيمان وخواء قلوبهم منه "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ" (8) الخداع اللفظي والخداع الحركي والفعلي "يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ" (البقرة: 9 مرضى القلوب "فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ"(البقرة: 10 كذابون "وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" (البقرة: 10 يفسدون في الأرض ويدّعون الإصلاح " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" (البقرة: 11 يسفهون اختيار الناس ويتعالون عليهم " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء" (البقرة: 13). وإيمان الناس كان اختيارًا سفهه المنافقون، وهكذا يفعلون مع كل اختيار لا يوافق سفههم "أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء "( 13 المداراة والمداهنة " وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا" (البقرة: 14 التخابر والعمالة للصهاينة، وهو ما استفيده من معنى الخلوة الذي يوحي بعمل لا يروق في العلن "وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ" (البقرة: 14) أصحاب مشاريع ومكاسب خاصة يبيعون لأجلها الإيمان والأوطان "أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ" (البقرة: 16). حواسهم تجاه مصلحة الدين والوطن معطلة "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ" (البقرة: 18 ) 4 المنافقون . (هم العدو فاحذرهم وهكذا علّم الله رسوله أول مقدمه المدينة المنورة وهو يضع اللبنات الأولى في بناء الدولة الجديدة أن المنافقين هم الخطر الحقيقي على الدين والوطن، وظلت آيات وسور تتنزل على رسول الله في المدينة ترصد حركة المنافقين وتؤكد للرسول وللمؤمنين أن المنافقين هم العدو الذي ينبغي الحذر منه "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ" (المنافقون: ٤) وأن المنافقين هم من سيسعون للإرجاف في المدينة وسيحاولون فتح أعين الأعداء على عورات الوطن وسيتربصون بالمؤمنين الدوائر ولن تنقطع علاقاتهم المشبوهة بالخارج "الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ" (النساء:141) . أرأيتم إخواني مصطلح الاستحواذ .. من الذي يستخدمه ؟ . وصدق ربنا حين قال "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ" (محمد:30) وأنهم سيقفون بكل طاقاتهم في مواجهة الدولة ذات المرجعية الإسلامية ولن يقبلوا أي دعوة إلى التحاكم للكتاب والسنة " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا" (النساء: الآية61) " رأيت المنافقين " معسكر موجود له أهدافه المتمثلة في الصدود المطلق عن شرع الله ولهم كذلك ولاءاتهم التي تستهدف إلحاق المصائب بالوطن ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله "فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا" (النساء: الآية 62) " وهذه الآيات من أول الربع في النساء تحتاج إلى خطبة تفضح أفعال المنافقين وإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وكراهيتهم لتحكيم الشرع وصدهم المطلق عن هذا التوجه . أيها المؤمنون والمؤمنات، إن معرفة النفاق والدراية بصفات المنافقين فريضة وضرورة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلعنا على علامات المنافقين ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة )، ينبغي أن نتنبه لهذا الخطر الذي يستهدف الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، وإن من كبار الصحابة من كان يخشى على نفسه النفاق ويقول لأمين سر رسول الله "أعدّني لك رسول الله ؟ ! " … ألا يخافون من قول الله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . يجب تفصيل الحديث عن صفات المنافقين وخطرهم على الدين والوطن وكيف هددوا مسيرة الدعوة والدولة ولم يردعهم شيء وغرَّهم حلم رسول الله عليهم حتى نزل وعيد الله لهم بعد تآمرهم على الدين والوطن في الأحزاب " لئن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا 60 مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا 61 سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا " (الأحزاب 60.62 إن من سنن الله التي لا تتبدل: أن من يخون دينه ووطنه سيحرمه الله من هداية الدين وسيحرمه من العيش في رحاب الوطن …" ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا" (الأحزاب: ) 60 .) ومن ضرورات الاستقرار في المجتمع التآخي والمآخاة وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم . إن دستور الدولة أمر واجب من الناحية الشرعية وقد تم بالفعل وضع دستور المدينة ، وكانت هناك أمور تفصيلية تحت هذا الدستور تشمل الأمور الحياتية والمعاشية للناس . إن تنظيم حياة الناس من زواج وطلاق ومتعة وتجارة ورهن ودين ، وأمور العبادات كالصيام والصلاة والحج والجهاد ، وفضح المنافقين وذكر صفاتهم لتحذير المؤمنين من مخططاتهم من أجل سلامة المجتمع والوطن . إن الحرب التي يشنها اليوم أولئك الذين يريدون إقصاء منهج الله عن الحياة ، دافعهم لذلك هو جعل الدين مسألة شخصية في المساجد والبيوت ، وإبعاده عن تنتظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية وهذا ما يريدون أن يدرجوه في الدستور الجديد . إن الذين يوهمون الناس أن مصالح العباد من مسلمين ونصارى وغيرهم ليست في ظل شريعة الإسلام ، هؤلاء لا يمثلون شعوبنا ، وفعلهم هذا يخرج بهم عن نطاق الإسلام نفسه . نحن نعلنها عالية مدوية واضحة جلية ، نحن شعب مسلم وهويتنا إسلامية ودستورنا لا بد أن يعبر عن دين الأمة وهويتها ، ولن نقبل إلا بذلك . إن نجاح الجيل الأول من المسلمين يعزى إلى ثقافتهم الإسلامية الخالصة ، وإلى اتباعهم هدي القرآن والسنة ، وتنحية ما يصطدم مع هويتنا وثقافتنا . ونحن – جمهور المتدينين – أئمة ودعاة ومصلحين سنقف بكل ما نملك من قوة لإقامة الدولة المدنية لحماية الدعوة ، وتعود الأمة لرسالتها التي كلفها الله بها ، ندعو لعبادة الله وحده ، والتحاكم إلى منهجه وحده ، ونحن على ذلك مصرون ، وله عاملون ، وبنصر الله واثقون ، ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ) الإسراء 51.

الاثنين، 3 ديسمبر 2012

الأمل سلاح الأقوياء وطريق العظماء

بقلم: خميس النقيب على طريق الحق يتصل العظماء من الأنبياء والمرسلين والتابعين بربهم؛ أملاً وعملاً، وعلى طريق الدعوة والدعاة تتكاثر أسباب العمل، وتتسع بوارق الأمل؛ لكشف الظلم ونهوض الأمم وبلوغ القمم عندما تتلبد الأجواء بالغيوم، وتتكاثر في الأرض الهموم، وتخبو الأنوار في الحياة، وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض، هنا يتجلى في الأفاق شعاع نافذ، علاج شافٍ، درس عظيم هو درس الأمل ، أعداء يتربصون بالإسلام يومًا بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، بل لحظة بعد لحظة، يبثون سمومهم، وينشرون أمراضهم، ويمررون حقدهم، لماذا؟!! يريدون أن يلحدوا هذا الشعب ويحطموا أخلاقه، يودون أن يذهبوا قيمه ويدمروا مبادئه ويطمسوا هويته ويعلمنوا دستوره . أحمال ثقيلة على أصحاب الدعوات، عقبات كبيرة في طريق المصلحين والمصلحات، هنا يبزغ فجر الأمل، الأمل الذي كان يصحب النبي صلى الله عليه وسلم عندما ادلهمت حوله الخطوب وتكاثرت عليه الشدائد وترادفت أمامه النوازل، وأحاطت به الضوائق فلجأ إلى ربه مؤملاً فيما عنده يعلمنا أنه لا سبيل لانتظار الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل لمقارعة الباطل إلا بالاستعانة بالله ولا سبيل لمواجهة الهموم إلا بالتوكل على الله، والله عز وجل يداول الأيام بين الناس (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140 ويعلمنا أن القوي لا يظل قويًّا أبد الدهر، والضعيف لا يظل ضعيفًا طول العمر وإنما يجعل الله من بعد الضعف قوة ومن بعد المرض صحة، ومن بعد العسر يسرًا، ومن بعد الخوف أمنًا ويجعل الله من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا فالمؤمن يجب أن يتوجه إلى ربه عز وجل، يؤمل فيما عند الله عز وجل يجب ألا ييأس المؤمن؛ لأن اليأس شيمة الكافرين، وطريق المنافقين (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، إن اليأس قاهر للرجال، محطم للأجيال، مضيع للأعمال، مدمر للآمال، أما الأمل فهو قوة دافعة تشرح الصدور، وتشرق الوجوه، وتبعث النشاط، الأمل إكسير الحياة، وصانع السرور، إنه حلو المذاق، جميل المحيا، عالي القيمة، والمؤمن أوسع الناس أملاً وأصفاهم نفسًا وأطهرهم قلبًا وأرحبهم صدرًا، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشارًا لماذا؟!! لأنه يؤمن بأن هناك قوة تدبر هذا الكون لا يخفى عليه شيء ولا يعجز عن شيء، قوة غير محدودة وغير محصورة وغير منتهية، هي قوة الله الذي يحي ويميت، يغني ويفقر، يعطي ويمنع، يعز ويذل (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26)، يجيب المطر، ويكشف السوء، أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم . المؤمن يجد في ربه الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة، والمغيث في الكربة، والنور في الظلمة.. إذا حارب كان واثقًا في النصر؛ لأنه مع الله ، فالله معه (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات- 173:172) وإذا رأى الباطل ينتفش في غفلة أهل الحق أيقن أن الباطل في اندثار، وأن الحق في انتشار (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء: 18) يتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، ويتجه إليه المظلوم يؤمل في عونه ونصره، ويتجه إليه المحروم يسأله أن يرزقه ويُعطيه، ويتجه إليه المكلوم راجيًا الأجر والثواب: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: 104).. إنه طريق العظماء.. كيف؟! إبراهيم عليه السلام طلب الولد وهو شيخ كبير (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 100)، {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ }الصافات101 ويعقوب عليه السلام بعد أن طالت غيبة يوسف ، وزاد على ذلك غياب أخويه فصاروا ثلاثة غائبين عنه فكان جديرًا أن يفقد الأمل في لقائهم، إلا أنه لم يتسرب إليه اليأس بل قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 83) أيوب عليه السلام أصابه مرض عضال فأمل فيما عند الله من شفاء في أدب جم صبر جميل (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 83 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء:83 – 84 . يونس عليه السلام ابتلعه الحوت وكان محاصرًا بظلمات ثلاث ولكنه لم يفقد الأمل (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ 87 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنباء- 88:87). موسى عليه السلام يسري بقومه؛ لينجو بهم من فرعون وجنوده فكان العدو من خلفه والبحر من أمامه (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ 60 فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (الشعراء: 60، 61)، لكن موسى لم يفزع ولم ييأس وتحلى بالأمل قائلاً: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، ونُجي موسى وأصحابه ولم يذهب أمله سدى .. محمد صلى الله عليه وسلم في الهجرة يطمئن أبو بكر في الغار ما ظنك باثنين الله ثالثهما (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)، وهو الذي قال لابنته فاطمة رضي الله عنها: "إن الله مانع أباك وقال لزيد بن حارثة عندما أراد أن يعود إلى مكة بعد أحداث الطائف إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا إن الله ناصر دينه ومظهر نبيه . ويتكالب الأعداء على الدعوة ويتألم الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه.. قريش وغطفان من خارج المدينة، اليهود والمنافقون من الداخل، والقران يصور هذا الموقف: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10 هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب- 11:10). في هذه الساعات العصيبة التي يتلاشى فيها عود الأمل، ويخبو فيها شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة، تجد النبي يشارك مع أصحابه في حفر الخندق لصد الغزاة وتعويق الطغاة، يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول والمستقبل المرجوحين يفتح الله عليهم بلاد كسرى بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة حديث الواثق المطمئن المؤمل فيما عند الله حتى أثار المنافقين: إن محمدًا يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (الأحزاب: 12)، ومنافقو اليوم يرددون نفس المنطق في الإعلام، ويثيرون حفيظة الناس أنه لن يتحقق شيء مع الإسلاميين ولكن الله سيخذلهم ويوفق المصلحين إلى النهوض والانطلاق والإشراق بإذنه تعالى . في الهجرة من مكة والنبي خارج من بلده خروج المطارد المضطهد الذي يغير الطريق، ويأوي إلى الغار، ويسير بالليل، ويختفي بالنهار، يقول لسراقة: "يا سراقة؛ كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسري؟ فيعجب الرجل ويبهت ويقول: كسري بن هرمز؟ فيقول: (نعم)، فيتحول قلب سراقة من طالب لمحمد صلي الله عليه وسلم إلى حارس له يعمي القوم عنه . إن أشد ساعات الليل ظلمة تسبق بزوغ الفجر، وأشد لحظات السماء تلبدًا بالغيوم تسبق هطول المطر، وأشد أوقات المرأة إيلامًا تلك التي تسبق نزول الولد!! وإلا ماذا تسمي الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة فينير لها الطريق، ويبدد أمامها الظلام، وينزل عليها الغيث؟ الأمل للمصلحين ينير دربهم ويقوي عزمهم ويشد أزرهم ويجمع أمرهم ويبدد اليأس في طريقهم، مهما تكاثرت العقبات وكانت الصعوبات، مهما ترادفت الضوائق وكانت الشدائد، إنه الأمل في نصر الله (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5 وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم- 6:5) من كان يظن أن أهل غزة رغم قلة عددهم وعتادهم سينتصرون على أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط ؟! إنه الإيمان والأمل والعمل . من كان يظن أن شعوب الربيع العربي ستطيح بكل الطغاة في فترة لا تساوي في عمر الزمن شيئًا؟ أليس الأمل والصمود والعمل . من كان يظن أن المُعتقل المُشاكس في برلمان 2005 (الاحتياطي) دكتور مرسي سيخرج من سجنه إلى رأس الدولة رغم التعويق والتشويه والتشتيت؟! أليس الأمل والثبات والعمل ؟ ! الأمل لا بد منه لدعم الرسالات وإقامة النهضات ونجاح البطولات، وإذا فقد المصلح أمله فقد دخل المعركة بلا سلاح، بل بلا يد تمسك بالسلاح، فأني يرتجي له نجاح؟ أو يأتي إليه فلاح؟ أما إذا استصحب الأمل فإن الصعب سيهون، والضر سينكشف، والبعيد سيدنو، والأيام تقرب البعيد، والزمن جزء من العلاج . وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21